ثم رفع علي بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال:(أنشدكم بالله؛ أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟) فسكت القوم، فقال:(ألا تجيبوني؟ فوالله؛ لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن آل فرعون (١)، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه) (٢)
وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاصي عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ، قال:(رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾)(٣)
وأخرج الهيثم بن كليب في «مسنده» عن أبي بكر قال: (لما كان يوم أحد .. انصرف الناس كلهم عن رسول الله ﷺ، فكنت أول من فاء)(٤) وسيأتي تتمة الحديث في مسند ما رواه (٥)
وأخرج ابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: (لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ، فكانوا ثمانية وثلاثين رجلا .. ألح أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور، فقال:«يا أبا بكر؛ إنا قليل» فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله ﷺ حتى ظهر رسول الله ﷺ، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا في نواحي
(١) في «مسند البزار»، و «كنز العمال» (٣٥٦٩٠): (خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون). (٢) مسند البزار (٧٦١). (٣) صحيح البخاري (٣٦٧٨). (٤) أورده المتقي الهندي في «كنز العمال» (٣٠٠٢٥) وعزاه للشاشي، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٦٩٨٠). (٥) انظر ما سيأتي (ص ١٨٣) لكنه أشار إليه ولم يذكره.