الداعي إلى قوام دين الله وسنته المستنصر بالله الذي وعد المحققين (١) بالفلج (٢) وجعل لهم العواقب، إلى من بَلَغَهُ كتابي من ملوك الطوائف سلام الله عليكم (٣). بقدر ما تستوجبون بمعرفة الحق وإنكار الباطل والجور، ودعاهم إلى الطاعة، فمنهم من أقر له بالطاعة، ومنهم من تربَّص حتى قدم عليه، ومنهم من عصاه، فكانت عاقبة أمره إلى القتل والبوار (٤) حتى استوس (٥) له الأمر، وكانت الاشفانية ممن امتنعت فحلف ألا يبقي منهم أحدًا، فلما غَلَبَ عليهم وجد فيهم ابنة ملكهم وكانت بارعة الجمال وافرة العقل، فقال لها: أنت من بنات ملوكهم؟ فقالت: بل من خدمهم.
فاصطفاها لنفسه، فحملت منه. فلما حملت منه شهرت نفسها، وقالت: أنا ابنة ملكهم، فأمر شيخًا يثق به اسمه جَبْذ (٦) بأن يودعها بطن الأرض إشارة إلى قتلها. فقالت له: أيُّها الشيخ إني قد حملت من (الملوك)(٧)، فلا تبطل زرعه، فعمل لها سربًا تحت الأرض جعلها فيه، ثم عهد إلى مذاكيره فجبَّها ووضعها في حق وختم عليه، ورجع إلى الملك. وقال: امتثلت أمر الملك. ودفع إليه الحق فقال: ما هذا؟ قال: إِنَّ لي فيه وديعة، وأحبّ أن يكون عند الملك إلى أن يحتاج إليها. فأخذ الملك الحق، وأمر بالاحتفاظ به. وأقامت الجارية في السَّرْب حتى وضعت ولدًا ذكرًا سماه الشيخ شاه بُور (٨) أي ولد الملك.
وعمر أردشير دهرًا ولم يولد له، فرآه الشيخ حزينًا فقال له: ما هذا الحزن سرَّك الله أيها الملك وعمرك، فقال: من أجل أنه ليس لي ولد يرث ملكي فقال له الشيخ: إنَّ لك عندي ولدًا طيبًا فأدع بالحق، فأمر به فأحضر، وفض ختمه فإذا فيه مذاكير الشيخ (وكان فيه الحديث)(٩) أَنَّهُ جبّ نفسه حتى لا يجد عائب إلى عيبه سبيلًا، فسُرَّ أردشير بذلك، وأمر بإحضار الغلام بين مائة غلام من أقرانه في مثل شبهه وزيِّه، ففعل ذلك، ثم دخلوا عليه، فعرفه أردشير من بينهم، وقبلته نفسه، ثم أمرهم ان يلعبوا بالصوالج (١٠).
(١) كذا في الأصل، وفي النهاية: المحقين. (٢) الفلج: بحركة: الفوز. (٣) في نهاية الأرب: سلام عليكم. (٤) في النهاية: الهلاك. (٥) في النهاية: استوثق. (٦) ورد اسمه في الأصل بدون نقط، وفي نهاية الأرب: هَرَجَنْد وهو في تاريخ الطبري ٢/ ٤٤ هر جبذا، وفي الأخبار الطوال ص ٤٣ أبو سام. (٧) كذا في الأصل والصواب كما في النهاية: الملك. (٨) قال الطبري ٢/ ٤٥ وترجمتها بالعربية ابن الملك، وهو سابور الجنود بالعربية. (٩) كذا في الأصل، وفي نهاية الأرب: وكتاب فيه: إنه … (١٠) الصوالج: جمع صولجان. عصا معقوفة الرأس مثل المضرب، تقذف به الكرة. وكان ملوك الفرس يتخذونه من الذهب شعارًا لهم.