يقال: إنه كان يعمل القصيدة في ليلة ثم يبقى حولًا ينقحها ولا يقول قولًا يعول به في درة تلقحها حتى تبرز مهذبة الكلمات، مذهبة الملابس المعلمات، لا ينسج مثلها ناسج، ولا ينهج طريقها ناهج، كأنها زبر مطبوعة، وزهر في أفق مجموعة، رقت معاطف ألفاظها، ودقت لفتات ألحاظها، وأتت بما يرفع له العنان والزمام، ويسمع منه زئير الأسد … الحمام. فمنها قوله (٢): [من الطويل]
وكنتُ إذا ما جئتُ يَوْمًا لحاجَةٍ … مضَتْ وأجَمِّتْ حاجة الغد ما تخلو (٣)
(١) زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني، من مضر: (ت ١٣ ق هـ) حكيم الشعراء في الجاهلية. وفي أئمة الأدب من يفضله على شعراء العرب كافة. قال ابن الأعرابي: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره. كان أبوه شاعرًا، وخاله شاعرًا، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة. ولد في بلاد «مُزَيْنَة» بنواحي المدينة، وكان يقيم في الحاجر (من ديار نجد) واستمر بنوه فيه بعد الإسلام. قيل: كان ينظم القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في سنة فكانت قصائده تسمى «الحوليات». أشهر شعره معلقته التي مطلعها: «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم» ويقال: إن أبياته التي في آخر هذه القصيدة تشبه كلام الأنبياء. له «ديوان - ط» ترجم كثير منه إلى الألمانية. وللمستشرق الألماني ديروف Dyroff كتاب في «زهير وأشعاره» بالألمانية طبع في منشن سنة ١٨٩٢ م. ولفؤاد أفرام البستاني «زهير بن أبي سلمى - ط» ومثله لحنا نمر، وللدكتور إحسان النص. مصادر ترجمته: الأغاني طبعة الدار ١٠: ٢٨٨ - ٣٢٤ وشرح زهير، لثعلب ٥٥ و ٣٢٦ ومعاهد التنصيص ١: ٣٢٧ وشرح شواهد المغني ٤٨ وجمهرة الأنساب ٢٥ و ٤٧ وصحيح الأخبار ١: ٧ و ١١٢ وآداب اللغة ١: ١٠٥ والشعر والشعراء ٤٤ وهو فيه «زهير بن أبي سلمى ربيعة بن قرة، قيل من مزينة وقيل من غطفان» وخزانة البغدادي ١/ ٣٧٥ وفيه: «كانت محلتهم - أي بني مزينة - في بلاد غطفان، فيظن الناس أنه من غطفان، أعني زهيرًا، وهو غلط». وكذا في الاستيعاب لابن عبد البر، وكأن هذا رد لما قاله ابن قتيبة في كتاب الشعراء فإنه قال: زهير هو ابن ربيعة بن قرط والناس ينسبونه إلى مزينة وإنما نسبه إلى غطفان الأعلام ٣/ ٥٢. الموسوعة الموجزة ١١/ ١٦١ وفيه ولادته ووفاته ٥٣٠ - ٦٢٧. معجم الشعراء للجبوري ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣. (٢) القصيدة في ديوانه ص ٥٨ - ٦٣ في ٤١ بيتًا. وشرح ديوانه ص ٩٦ - ١١٥ في ٤١ بيتًا. (٣) أجمت حاجة الغد: أي دنت وحان وقوعها. ما تخلو: أي لا يخلو الإنسان من حاجة ما تراخت مدته. وكنى بالغد عما يستأنف من زمانه.