للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: ثم لم ألبث حتى بلغت جعفرًا الخبر فسألني، فقصصت عليه ما كان. فقال: يا هذا لا تسرع إلى ملامة الرجل، ولمنا إذ لم نجعل المال له صلة، وندفع أمير المؤمنين عنه! ثم لوى رأس دابته عائدًا إلى باب الرشيد، وأنا معه، فتركني بالباب ودخل، ثم لم يكن بأسرع من عوده وبيده توقيع الرشيد بإعادة المال عليه، ثم قال: اذهب به إلى الرجل، ثم قال: خذ المال صلة لك بارك الله لك فيه، قلت: يأبى الله إلا أن يكون ابن يحيى!

قلت: والبيت الذي تمثل به منصور بن زياد من أبيات اللعين المنقري يهجو فيها جريرًا وهي: [من الوافر]

سأقضي بين كلب بني كليب … وبين القَيْنِ من ابْنَيْ عِقال

فإنَّ الكلب مطعمه خبيث … وإِنَّ القَيْنَ يعمل في سَفَالِ

كلا العبدين قد عَلِمَتْ مَعَدُّ … لئيمُ الأصل من عم وخال

فما بُقْيَا عَلَيَّ تَرَكْتُمانِي … وَلكنْ خِفْتُمَا صَرَدَ النَّبَالِ

وكان أبو الشمقمق قد صار إلى منصور بن زياد يسأله أن يبره وكان منصور ضيقًا بخيلًا، فوهب له عشرة دراهم، وأمره بالعودة إليه، ليبره فأخذها، وقام وهو يقول هذا: [من السريع]

لولا ابن منصور وأفضالُهُ … سَلَحْتُ في لِحْيَةِ منصور

فبلغ ذلك محمدًا فقال: إنَّما خفنا هذا، وما أفلتنا منه (١).

وإنما حكيت هذه الحكاية، وإن لم يكن موضع ذكرها، ليعرف بها لؤم منصور، وكرم البرامكة الغيوث البحور «والضد يظهر حسنه الضد»:

وصدر البيت: [من الكامل]

«ضدان لما استجمعا حسنا»

وحكي أن ابن منصور بن زياد أفسد نية جعفر بن محمد بن الأشعث على بني يحيى بن خالد، وضربه عليه، فتكلم فيه يحيى، وصار إليه جعفر بن محمد، فقال له، لا تحوجني فأكفر نعمتك.

وكان جعفر بن يحيى يساعد الرشيد على كل شيء يطالبه، وكان الفضل يمتنع عليه، وكان لا يشرب النبيذ، فظن الرشيد أنه يعيب عليه، فكان يعتب عليه في ذلك،


(١) الوزراء ٢٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>