عينه عليها، عزلها استثقالًا لها، وقدَّر أن يكون نظره فيها بعد الفراغ، فوافاه الرسول الثالثة وهي في يده، وأعجله أن يستتمها، وكان يحتاج في فهمها إلى مدة، وكره أن يتأخر عن الرشيد، وكره وقد رئيت في يده أن يطرحها فيما لم ينظر فيه، فوقع في ظهرها:«يعمل في ذلك بما يُعمل به في مثله على سنن الحق وقصده، وجهة الإنصاف وسبيله»، إن شاء الله تعالى.
فورد على الكتاب من هذا التوقيع ما لم يرد مثله، وصار ذلك رسمًا للرؤساء في التوقيع بالألفاظ الجميلة (١).
وكان عبد الله المأمون في حجر محمد بن خالد بن برمك، فنقله الرشيد إلى جعفر بن يحيى، فأشار على الرشيد بيعته للمأمون بعد محمد، وقام بالأمر حتى عقد له، وشخص معه من الرقة إلى مدينة السلام، حتى أكد البيعة له، وأخذ الأيمان على بني هاشم والوجوه بها. وكاتب العمال في جميع النواحي بذلك، ثم انصرف إلى الرقة (٢).
وتكلم سهل بن هارون بحضرة جعفر بن يحيى، فأغرب وأعرب، فقال له جعفر: أي شيء هذا الكلام، وأنت من دهشان؟ فقال له سهل هي أقرب إلى البادية من بلخ.
وهذا الكلام قد روي أن المتكلم به مالك بن شاهي، وأن جعفرًا قال له: أتتكلم بهذا الكلام، وأنت من أهل نفر؟ قال: أقرب إلى البادية من بلخ.
وصنع أبان بن عبد الحميد بن لاحق مولى الرقاشيين كتاب «كليلة ودمنة» شعرًا، وأهداه إلى جعفر بن يحيى، فوهب له مائة ألف درهم (٣). وذكر إسحاق الموصلي قال: قال لي إبراهيم بن المهدي: خلا جعفر بن يحيى يومًا في منزله، وحضر ندماؤه وكنت فيهم، فتضمخ بالخلوق، ولبس الحرير، وفعل بنا مثل ذلك، وتقدم إلى الحاجب بحفظ الباب إلا من عبد الملك بن نجران، فوقع في أذن الحاجب عبد الملك ومضى صدر النهار، وبلغ عبد الملك بن صالح مقام جعفر في منزله، فركب إليه فوجه الحاجب إلى جعفر: قد حضر عبد الملك، فقال: يؤذن له، وهو يظنه ابن نجران، فدخل عبد الملك بن صالح في سواده، وفلنسوته، فلما رآه جعفر اسود وجهه ورانا على حالنا، وكان لا يشرب النبيذ، وكان ذلك سبب موجدة الرشيد عليه؛ لأنه كان يلتمس منادمته فيأبى، فوقف عبد الملك على ما رأى من جعفر، فدعا غلامه فناوله سواده، وقلنسوته، وأقبل حتى وقف على باب
(١) الوزراء والكتاب ٢١٠ - ٢١١. (٢) الوزراء ٢١١. (٣) الوزراء ٢١١.