إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١)، ثم رغب فيما يحبه للمذنبين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢). فيا أيها الناس! اعلموا أن كل من ظهرت منه حوبة؛ فإن الله عليه توبة، فمن عظمت حوبته جلت توبته، فتوبة عالم الشهادة من الأعمال، وتوبة النفوس من الآمال، وتوبة الأرواح من الوقوف مع حضرات الجمال، وتوبة الأسرار من معاينة عين الكمال، وتوبة أسرار الأسرار مما لا ينال، والسر الواحد الجامع، عدم رؤية الثواب النافع. وهذا باب يدق وصفه، ويمنع كشفه، فألق سمعك أيها المغتر بحياته المحجوب على الحقيقة بمشاهدة صفاته، وخذ خطاب الحق، من حضرة الفرق بلسان الصدق، فيا محلَّ العدم! عليك بالبكاء والندم، ويا محل التمحيص والاختبار عليك بالافتقار والاعتذار، ويا محل الاطلاع عليك بالنزوع والإقلاع، فشمر الذيل، واقطع بالتلاوة زمان الليل، وطهر ثيابك قبل انسلاخك عنها، واعرف قدر جنايتك، وتب إلى الله ﷿ منها، وإياك والخديعة باسترسال الطبيعة، وأقم ميزان العدل بين حجبك وجنايتك، وكحل بميل الاعتبار عين بصيرتك، لتعرف قدر ظلام عمايتك، واعلم أنك على ما فرطت في جنب الله نادم، وعلى ما قدمت بين يديك قادم، وأدنى مرامي أفعالك وأقصاها في كتاب: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (٣). [من المتقارب]
ومنه قوله: أيها الغافل عن مواقعة الحساب، والمتعامي عن مناقشة ما في يديه من الاكتساب، كأنك ما قرأت ما في الكتاب المبين: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٤)، فاعلم - أيقظك الله من سِنَةِ الغفلة -: أن المحاسبة في هذه الدار على قدر المحاسب، فمنهم
(١) سورة النور: الآية ٣١. (٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٢. (٣) سورة الكهف: الآية ٤٩. (٤) سورة الأنبياء: الآية ٤٧.