إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته أو في النجوم كنت هرمس في حسابه أو في الفقه كنت علي بن أبي طالب ﵁ في علمه أو ذكر السخاء كنت حاتم طيئ في صفته أو صدق الحديث كنت أبا ذر في لهجته أو الكرم فأنت كعب بن أمامة في فعاله أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه فسر بهذا الكلام وقال إن الإنسان إنما فضل بعقله ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم ولا دم أطيب من دم.
وأخرج عن يحيى بن أكثم قال ما رأيت أكمل من المأمون بت عنده ليلى فانتبه فقال يا يحيى انظر إيش عند رجلي فنظرت فلم أر شيئاً فقال شمعة فتبادر الفراشون فقال انظروا فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها فقلت قد انضاف إلي كمال أمير المؤمنين علم الغيب فقال معاذ الله ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم فقال:
يا راقد الليل انتبه … إن الخطوب لها سرى
ثقة الفتى بزمانه … ثقة محللة العرى
فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب وإما بعيد فتألمت ما قرب فكان ما رأيت.
وأخرج عن عمارة بن عقيل قال: قال لي ابن أبي حفصة الشاعر أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر فقلت من ذا يكون أفرس منه والله إنا للنشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه قال إني أنشدته بيتا أجدت فيه لم أراه تحرك له وهو هذا:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا … بالدين والناس في الدنيا مشاغيل
فقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها في يدها سبحة فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها وهو المطوق لها ألا قلت كما قال عمك في الوليد (١):
(١) في الطبري (١٠/ ٣٠٣) «هل قلت فيه كما قال عمك جرير في عبد العزيز ابن الوليد» وفي ابن كثير «عبد العزيز بن مروان».