درجاتهم في ذلك، سواء كانوا - مع صلاحهم - علماء، وهم الأولى، كالإسنوي وأسرته، أو عوام لهم من العبادة والاستقامة ما يحقق لهم مرتبة الولاية كما قال تعالى ﴿وهو يتولى الصالحين﴾، وهذا يوضح لنا جانبًا من موقفه العام بالنسبة للتصوف والصوفية في عصره الذي عمته نزعة التصوف من جانب، وكثر فيه أدعياؤه من جانب آخر، ومما ذكره العراقي من كرامات شيخه جنازته المشهودة، واستشعاره قرب وفاته، وتحقق ذلك، فقد قال عن جنازته: «ولم أر في عمري جنازة أكثر بهاء منها، ولا أكثر جمعا، إلا ما كان من جنازة الشيخ حسين الجاكي، فإني حضرتها وأنا صغير، وكذلك جنازة سيدي الشيخ عبد الله المنوفي (١)، لم أر أكثر جمعًا منها، إلا أن الناس كانوا خرجوا اتفاقا ليدعوا الله تعالى ويرغبوا إليه لدفع الوباء، ونودي فيهم بذلك فخرجوا إلى الصحراء، وكأن اجتماعهم في الحقيقة للصلاة على الشيخ المنوفي رحمه الله تعالى» ثم أيد العراقي هذا بقوله:«وقد روى الإمام أحمد بن حنبل ﵁ أنه قال: «بيننا وبينهم الجنائز» وفسر كلام الإمام أحمد هذا بأنه يريد بذلك اجتماع الخلق واجتماع ألسنتهم على الثناء الحسن الجميل» (٢).
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الزركشي تلميذ الإسنوي أيضا ما يوافق ما ذكره العراقي، حيث قال ابن حجر: «رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي: كانت جنازته (أي الإسنوي) مشهودة، تنطق له بالولاية» (٣).
أما عن تنبئه بقرب وفاته فقال العراقي: «وكان شيخنا ﵀ قد ظهر
(١) توفي سنة ٧٤٩ هـ. (٢) «بهجة الناظرين» / ١٤٠، ١٤١. (٣) «الدرر الكامنة» جـ ٢/ ٤٦٥.