(وتعلموا ما علمهم، ووقفوا عند ما حد لهم، واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم)؛ أي: وتعلموا من الإيمان والطاعات، مما جاءهم على لسان رسولهم، وما اعتقدوه من خالص الإيمان في قلوبهم، فكانت نتيجة ذلك أن وقفوا عند حدود الله التي حدت لهم فلم يتعدوها، فأحلوا ما أحل الله وكانوا على يقين من حله، واطمأنت قلوبهم لعلمهم به، وحرموا ما حرم الله، وتركوا ما شبه عليهم ابتغاء رضوان الله، واعلم أن أكل العبد الحلال، وتجنبه الحرام، من أعظم التوفيق للوقوف عند حدود الله التي حدها ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ [البقرة: ٢٢٩].
(أما بعد) كلمة فصل وافتتاح يؤتى بها لغرض الانتقال من كلام لآخر، وأصل أما: مهما يكن من شيء، بعد الحمد والصلاة والسلام، قال بعض المحققين ولتضمنها معنى الشرط لزمتها الفاء اللازمة للشرط غالبا (١)، وجاء عدم الورود في قول أفصح الخلق ﷺ:«أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله» هكذا وقع في «صحيح البخاري»(٢): «ما بال» بحذف الفاء، والأصل: أما بعد فما بال رجال، فحذفت الفاء.
و (بعد): تضم داله وأجاز الفراء فتحه منونا، وهشام فتحه بدون تنوين وأنكره النحاس.
وقال جماعة أما بعد: هي فصل الخطاب، واختلف في أول من قالها
(١) قال ابن مالك: أما كمهما يك من شي، وفا … لتلوتلوها وجوبا - ألفا قال ابن عقيل: أما: حرف تفصيل، وهي قائمة مقام [أداة] الشرط، وفعل الشرط، ولهذا فسرها سيبويه بمهما يك من شيء، والمذكور بعدها جواب الشرط، فلذلك لزمته الفاء، نحو: «أما زيد فمنطلق والأصل: «مهما يك من شيء فزيد منطلق فأنيبت «أما» مناب مهما يك من شيء»، فصار أما فزيد منطلق» ثم أخرت الفاء إلى الخبر، فصار «أما زيد فمنطلق»، ولهذا قال: «وفا لتلو تلوها وجوبا ألفا» .... وحذف ذي الفاقل في نثر، إذا لم يك قول معها قد نبذا. (٢) صحيح البخاري (٤٤٤).