نفسه وإمّا أن يفضح. ولم يجر الحال على هذا، ولكن قد رشّ الماء في الحارات، وقد أحيا المنكرات في الدّور أرباب الخسارات.
وقال في «متجدّدات» سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة: وجرى الأمر في النّوروز على العادة من رشّ الماء، واستجدّ فيه هذا العام التّراجم بالبيض والتّصافع بالأنطاع، وانقطع الناس عن التّصرّف، ومن ظفر به في الطّريق رشّ بمياه نجسة، وخرق به (١).
وما زال يوم النّوروز يعمل فيه ما ذكر من التّراش بالماء، والتّصافع بالجلود وغيرها، إلى أن كانت أعوام بضع وثمانين وسبع مائة، وأمر الدّولة بديار مصر وتدبيرها إلى الأمير الكبير برقوق، قبل أن يجلس على سرير الملك ويتسمّى بالسّلطان، فمنع من لعب النّوروز، وتهدّد من لعب بالعقوبة.
فانكفّ الناس عن اللّعب في القاهرة، وصاروا يعملون شيئا من ذلك في الخلجان والبرك ونحوها من مواضع التّنزّه، بعدما كانت أسواق القاهرة تتعطّل في يوم النّوروز من البيع والشّراء، ويتعاطى الناس فيه من اللّهو واللّعب ما يخرجون به (a) عن حدّ الحياء والحشمة إلى الغاية من الفجور والعهر (b).
وقلّما انقضى يوم نوروز، إلاّ وقتل فيه قتيل أو أكثر، ولم يبق الآن للناس من الفراغ ما يقتضي ذلك، ولا من الرّفه والبطر ما يوجب لهم عمله. وما أحسن قول بعضهم:
[البسيط]
كيف ابتهاجك بالنّوروز يا سكني … وكلّ ما فيه يحكيني وأحكيه
فتارة كلهيب النّار في كبدي … وتارة كتوالي دمعتي فيه
وقال آخر:
[الرمل]
نورز الناس ونورز … ت ولكن بدموعي
وذكت نارهم والنّ … ار ما بين ضلوعي
وقال آخر:
[الطويل]
ولمّا أتى النّوروز يا غاية المنى … وأنت على الإعراض والهجر والصّدّ
بعثت بنار الشّوق ليلا إلى الحشا … فنورزت صبحا بالدّموع على الخدّ (٢)
(a) ساقطة من بولاق. (b) بولاق: العهود. (١) المقريزي: السلوك ١٣٦: ١ - ١٣٧ وفيما يلي ٤٩٤: ١. (٢) انظر فيما يلي ٤٩٤: ١.