وكان المتوكل لا يقدر على مفارقته، ولا يتأنس إلا بموافقته وصحبته. وكان مجراه منه مجرى الأخ أو أقرب، لا يلتذ بغير حضوره، ولا يطرب، حتى أطلعه على أموره وحرمه، وأسكنه معه في دور حُرَمه، وأشركه في شائع أموره، وسائر غمومه وسروره. وكان يحضر معه مجلس الأنس حيث تطرح مؤنة التحفظ، وتؤمن معرَّة التلفظ، ويجالسه في منارة الأفراح، ويراضعه في مراشف الأقداح، وتطوف عليهم سقاتها بحمل نواره، وتعاطي ريقة ما أبقت للغواني سؤرًا. وذلك مجلس كان بعد جعفر بن يحيى قد سُدَّ على الوزراء بابه، وأرخى عمن دون الندماء حجابه، حتى كفل الفتح له كفايته، واستدرك غايته، وأقعده المتوكل على طراحته، وساهمه في اغتنام راحته، حتى كان له من القتل مشاركًا، وقتل معه، وقال:
اقتلوني ومالكا …
فساواه حتى ختم أيامه بأيامه، وساقاه حتى شرب معه كأس حمامه، فقتل معه وطرح موضعه، وقالت الأتراك: إنَّ الفتح قتل المتوكل، وإنَّه أُخذ به وقتل، بل هم قتلوهما وعرفوهما ثم جهلوا فحملوهما. وكان البحتري كثير المدح لهما. ومن شعره في مدح الفتح بن خاقان (١): [من الوافر]
لَقَدْ أَجْرَى الوَزِيْرُ إلى خِلالِ … مِنَ الخَيْراتِ زَاكِيَةِ العِدَادِ
يُحَلُّ بِذِكْرِه عَقْدُ النَّواحِي … ويُفْتَحُ باسمه أقصى البلاد
اذا أَمْضَى عَزِيمَتَهُ لِخَطْبٍ … كَفَاهُ العفو دون الإجتهادِ
= ٢٩٦٦، ٢٩٩١، ٣١٩٩، وأمالي المرتضى ١/ ١٩٤، ١٩٩، ٣٠٠، ٥٣٥، ٥٨٦، ٢/ ٤١، والكامل في التاريخ ٧/ ٩٥ - ١٠٠، ١٠٣ - ١٠٥، والمنازل والديار لابن منقذ ٢/ ٣١٠، ونزهة الألباء لابن الأنباري ١٧١، ومختصر التاريخ لابن الكازروني ١٤٧، ووفيات الأعيان ١/ ٣٠، ٣٥٥، ٤١١، ٤٧٧، ٢/ ٢٣٦، ٣/ ١٥٥، ٣٧٤، ٦/ ٣٠، والروض المعطار للحميري ١٧٧، ٢٨٣، والمحاسن والمساوئ للبيهقي، ٣١٥، وآثار البلاد وأخبار العباد للقزويني ٤٠١، وخلاصة الذهب المسبوك للإربلي ٢٦٦، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٨٢ ٨٣ رقم ٢٤، والوافي بالوفيات ٣/ ١٧٩ - ١٧٧، والنجوم الزاهرة، ٢/ ٢١٣، ٣٢، ٣٢٥، وشذرات الذهب ٢/ ١١٤، وزهر الآداب ٢٠٣ - ٢٠٤، ومحاضرات الأدباء ١/ ١٩٢، والمختصر في أخبار البشر ٢/ ٤١، وتاريخ ابن الوردي ١/ ٢٢٨، وتاريخ الخميس ٢/ ٣٧٨، ومآثر الإنافة ١/ ٢٢٩، واكتفى الخطيب في تاريخ بغداد ١٢/ ٣٨٩ رقم ٦٨٤٥: «الفتح بن خاقان وزير المتوكل قتل معه». ولم يزد!، وآثار الأول وترتيب الدول للعباسي ١٩٩، الأعلام ٥/ ١٣٣، تاريخ الإسلام (السنوات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ) رقم ٣٦٦. (١) ديوان البحتري ١/ ٦١٢ - ٦١٣ رقم ٢٥٢ وفيه أنها في مدح عبيد الله بن يحيى بن خاقان.