للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أحد وجهيها: [من المتقارب]

وأصْفَرَ من ضرب دار الملوكِ … يلوح على وجهه جعفر

يزيد على مائة واحدًا … إذا نالَهُ مُعْسِرٌ يُوسِرُ

ولما أوقع الرشيد بالبرامكة، لم يجد لهم إلا القليل، فسأل عن أموالهم، فقيل له: أذهبوها في المكرمات.

وقال إسماعيل بن صبيح: كنت يومًا أكتب بين يدي يحيى بن خالد في أيامه، فدخل عليه ابنه جعفر، فلما رآه أشاح بوجهه عنه، وقطَّب، وتكره رؤيته، فلما انصرف قلتُ: أطال الله بقاك، أتفعل هذا بابنك، وحاله من أمير المؤمنين حاله لا يقدم عليه ولدًا ولا وليًا؟ فقال: إليك عنِّي أيها الرجل، فوالله ليكونَنَّ سبب هلاك هذا البيت. فلما كان بعده مديدة أخرى دخل عليه جعفر وأنا عنده، ففعل مثل فعلته الأولى، فأعدتُ عليه القول، فقال لي: أدن مني الدواة، فأدنيتها، فكتب كلمات يسيرةً في رقعة وختمها ودفعها إليَّ وقال: لتكن عندك، فإذا دخلت سنة سبع وثمانين ومضى المحرم، فانظر فيها، فلما كان في صفر أوقع الرشيد فيهم ما أوقع، فنظرتُ في تلك الرقعة، فكان الوقت الذي ذكره (١).

ثم ندم الرشيد على ما كان منه في أمر البرامكة، وتحسر على ما فرط منه في أمرهم، وقال لخواصه: لو وثقت بصفو نياتهم لأعدتهم! وكان أكثر ما يقول: حملونا على نصائحنا وكفاتنا، وأوهمونا أنهم يقومون مقامهم، فلما صاروا إلى مكانهم لم يُغنوا شيئًا.

فهذه جملة من أخبار البرامكة وأيامهم، وكانت دولتهم الكريمة، وصولة الجود على العدم، وغاضت بعدهم نجوم السماحة، وغارت نجوم الفصاحة، وخفَّ وقار الثبات وجف ورق النبات، وأبى ضرع الكرم أن يدر لحالب، ودر الحمد أن ينتقل لجالب، وطمست أقمار البادي، وحبست أمطار الوادي، وذهبت الأيدي والأيادي، وسكتت همامهم الأسد العوادي، وغَلَّ المعروف يده في عتقه، وغرَّ الساري المدح وضوح طرقه، ونزلت وقاه مضرة، ونسفت أطواد الحجي وخسفت بدور الدجى، إلا بقية ذكر تلاقى أيامهم الزاهية، وَرِمَ بخضاب البكاء عليهم لمم. الدموع الساكبة، فما ماتوا حتى أبقوا لهم ذكرًا لا يموت، وشكرًا غير موقوت، حتى صار سمر الحاضر والبادي، والرائح والغادي، ولا يجري لهم ذكر في محفل إلا أثنى عليهم من


(١) الوزراء ٢٤٨ - ٢٤٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>