وقال: عزم علينا بعض الصلحاء بالاسكندرية في بستان له بالرمل، فخرجت أنا وجماعة من صلحاء الثغر، ولم يخرج معنا صاحب البستان ذلك الوقت، بل وصف لنا المكان، فتجارينا - ونحن خارجون - الكلام في الورع، فكل قال شيئًا. فقلت له: الورع من ورعه الله تعالى. فلما أتينا البستان، وكان زمن التوت كلهم أسرع إلى الأكل، وأكلت، وكنت كلما جئت لأكل أجد وجعًا في بطني فأرجع، فينقطع الوجع، ففعلت ذلك مرارًا، فجلست ولم آكل شيئًا، وهم يأكلون؛ وإذا بإنسان يصيح: كيف يحل لكم أن تأكلوا من ثمرة بستاني بغير إذني؟. فإذا هم قد غلطوا بالبستان!. فقلت لهم: ألم أقل لكم إن الورع مَنْ ورعه الله تعالى؟.
وكان يقول: والله ما جلست للخلق حتى هُدِّدت بالسلب، وقيل لي: لئن لم تجلس لنسلبنك ما وهبناك.
وكان شديد الكراهية للوسواس في الطهارة والصلاة، وينقل عنه شهود من كان ذلك وصفه. سئل يومًا فقيل له: يا سيدي فلان صاحب علم وصلاح، كثير الوسوسة!. فقال: وأين العلم؟ يا فلان العلم هو الذي ينطبع في القلب كالبياض في الأبيض، والسواد في الأسود.
وكان يقول: الناس على قسمين؛ قوم وصلوا بكرامة الله تعالى إلى طاعة الله تعالى. وقوم وصلوا بطاعة الله تعالى إلى كرامة الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١). ونور الله تعالى يرد على القلب، فيوجب له الاتصاف بصفة أهله في الدنيا، والإعراض عنها، ثم يثب منه إلى الجوارح، فما وصل إلى العين أوجب الاعتبار، وإلى الأذن؛ أوجب حسن الظن، وإلى اللسان؛ أورث الذكر، وإلى الأركان؛ أورث الخدمة. والدليل على ذلك: إن النور يوجب عزوف الهمة عن الدنيا والتأني فيها، قول رسول الله ﷺ:«إن النور إذا دخل الصدر انشرح وانفسح. فقيل: يا رسول الله! فهل لذلك من علامة؟. قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود».
وقال في قوله ﷺ:«الصافحتكم الملائكة في طرقكم، وعلى فرشكم»: إنما خص الرسول ﷺ الفُرُسُ والطُّرُق؛ لأن الفرش محل الشهوات والطرق محل الغفلات، فإذا صافحتهم الملائكة في طرقهم وفرشهم، الأحرى أن تصافحهم في محل طاعاتهم وأذكارهم، واقتضت حكمة الله سبحانه أن لا يستوي وقت كبوتهم عنده ووقت ذكرهم