للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ناسما. وكان بمدينة الاسكندرية، وقدره المتطاول علا منارها، وذكره الشائع علم نارها، وعمر حبه من كل قلب بيتًا، وأمر صفته فيها حيًا وميتًا.

ذكره بدر الدين بن غانم قال: كان قطب زمانه، وعلامة أوانه، في العلوم الإسلامية وله القدر الراسخ في علم التحقيق، والكرامات الباهرة، والكلام اللائق البديع في طريق القوم، والأحوال الظاهرة، كان لا تتحدث معه في شيء من العلوم إلا تحدث معك فيها، حتى يقول السامع: إنه لا يحسن غير هذا العلم، لا سيما علم التفسير والحديث، وكان يقول: شاركنا الفقهاء فيما هم فيه، ولم يشاركونا فيما نحن فيه.

وكان كتابه في أصول الدين «الإرشاد»، وفي الحديث: «المصابيح» للبغوي، وفي الفقه: «التهذيب» للبرادعي، و «الرسالة»، وفي التفسير: «كتاب ابن عطية». وكان يقرأ عليه بعض المحققين في العربية، فيرد عليه اللحن.

وأما علوم المعارف والأسرار؛ فقطب رحاها، وشمس ضحاها، تقول إذا سمعت كلامه: هذا كلام من ليس وطنه إلا غيب الله تعالى، هو بأخبار السماء أعلم منه بأخبار أهل الأرض.

وعن الحسن الشاذلي: إنه قال عن الشيخ أبي العباس: أبو العباس بطرق السماء أعلم منه بطرق الأرض.

قال ابن عطاء تلميذه كنت لا أسمعه يتحدث إلا في العقل الأكبر، والاسم الأعظم، وشعبه الأربعة، والأسماء والحروف، ودوائر الأولياء، ومقامات الموقنين، والأملاك المقربين عند العرش، وعلوم الأسرار، وأمداد الأذكار، والمقادير، وشأن التدبير، وعلم البدو، وعلم المشيئة، وشأن القبضة، ورجال القبضة، وعلوم الأفراد، وما يكون من أفعال الله تعالى مع عباده يوم القيامة، من حلمه وإنعامه، ووجود انتقامه.

قال الشيخ تاج الدين بن عطاء: ولقد سمعته يقول: «لولا ضعف العقل، لأخبرت بما سيكون غدًا من رحمة الله تعالى، وتوفيقه، وإلهامه».

وأما سداد طريقته: فكان شديد التحرر من حقوق العباد، مسرعًا للوفاء لها، حتى أنه يوفي الدين قبل استحقاقه، ويحمل أصحابه على التخلص من حقوق العباد، إذا كان عليه دين أحسن القضاء، وإذا كان له حق أحسن الاقتضاء، منقطعًا عن أبناء الدنيا والتردد إليهم، لا يرفع قدمه لأحد منهم، ولا يبعث إليهم، ولا يكاتبهم، إذا طلب منه أن يكتب إليهم، بل يقول للطالب: أنا أطلب لك ذلك من الله تعالى. فإن رضي الطالب بذلك، نجح مسعاه ولطف به مولاه. ومبنى

<<  <  ج: ص:  >  >>