المرام ظافرا، وسار ذكره فأسمع الدهر وفي آذانه صمم، وداوى الزمان وفي عقله لمم، وكان أول ما بُشِّر أبوه وهو غلام، وفسر عن لؤلؤته صدف الظلام، حتى بلغ الاحتلام، ويده بالخير وارتحل، وصابر الأيام فتسترت الليالي وتبرقعت بالخجل، فرويت آثار أياديه، ونقلت أخبار سؤدده بألسنة أصدقائه وأعاديه. وكان يقوم والليل لم يطمئن له جنوب، ويروض نفسه والروض لم يشق فيه للشقيق جيوب، بعلم يفلج به الحجاج محتكم، ويخرج في حربه والعجاج مرتكم. وكان له في مجاهدة النفس حروب، ونوّب حتى حان منه للشمس غروب.
وحكي أنه لما قدمت إليه المائدة يومًا فقال: أخروها، وكان هناك فقير جائع، فقال في نفسه: لو كان هذا فقيرًا ما أخر المائدة. فلما حضرت تقدم فأكل منها أكلًا يسيرًا، فأكل ذلك الفقير، وسائر الجماعة، فلما رفعوا أيديهم قال الشيخ لخادمه: شِل من هذا الخبز والطعام الفقير يأتينا في هذه الساعة، وهو جائع، قد أخرنا المائدة لانتظاره، فظنَّ ظان فينا ظنًا. فشال الخادم منها شيئًا، فقال الشيخ: زد!، فهذا ما يكفي فزاد، فقال له: زد! فهذا ما يكفي فقال له: ياسيدي أنت قلت: رجل واحد، وهذا فوق كفاية الواحد، فقال: صدقت هو رجل واحد، ولكن له ثلاثة أيام لم يأكل شيئًا. ثم لم يستتم الكلام حتى أتى الفقير، فسلم على الشيخ، والجوع يتبين في وجهه، وقدم إليه الخادم ما خبأه له؛ فأكله حتى أتى عليه عن آخره، ثم قال: والله لي ثلاثة أيام ولا وجدت ما آكل، ثم قام ذلك الفقير، ودخل الفقير الذي قال ما قال أولًا، فقال: يا سيدي! أنا أستغفر الله مما وقع مني، فقال له: يغفر الله لك، أتصحبني كذا وكذا شهرًا وتقول: لو كان هذا فقيرًا لما أخر يده عنا لأجل شبعه، ونحن جياع؟. فقال: والله يا سيدي! كان ذلك. وأنا أستغفر الله منه. فضحك الشيخ، وأقبل عليه.
وحكى ابن عربي قال: رأى بعض مريدي الشيخ أبي مدين؛ كأن الحق ﷾ في زير دقيق!، فذكر ذلك لأبي مدين، فقال: هل عندك دقيق؟. قال له: نعم. قال له: هل هو في زير؟. قال: نعم. قال: ذلك إلهك الذي تعتمد عليه، فتصدق به لتخلص مما أنت فيه.
وحكى الوداعي قال: حدثني شخص مغربي: - وكان رجلًا صالحًا -:
= ١٧٠، ونفح الطيب ٧/ ١٣٦، وتعريف الخلف للحفناوي ٢/ ١٧٢، وشجرة النور الزكية ١/ ١٦٤، تاريخ الإسلام (السنوات ٥٨١ - ٥٩٠) رقم ٤٢٤ وقد وضع ابن قنفذ كتابًا خاصًا بشعيب بن الحسين وأصحابه سمّاه: «أنس الفقير وعزّ الحقير». طبعة الرباط ١٩٦٥.