قُلْتُ: والدليل على عدم وجوب الزواج لمن لم يخش على نفسه الفاحشة قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].
ووجه الشاهد من الآية أنَّ الله ﷿ خير فيها بين النكاح وملك اليمين، والتخيير يمنع وجوبه على التعيين، وأيضاً فإنَّ الله ﷿ خير في الآية بين النكاح والتسري، والتسري لا يجب فكذلك النكاح، فإنَّ التخيير لا يكون بين واجب ومستحب.
«وَقَوْلُهُ:"فليتزوج" أمرٌ، وظاهره: الوجوب. وبه قال داود ومَنْ تابعه. والواجب عندهم العَقْدُ لا الدخول، فإنَّه إنَّما يجب عندهم مرة في العمر. والجمهور: على أنَّ التزويج مندوب إليه، مُرَغَّبٌ فيه على الجملة. وقد اعتبره بعض علمائنا بالنظر إلى أحوال النَّاس، وقسَّمه بأقسام الأحكام الخمسة. وذلك واضحٌ. وصرف الجمهورُ ذلك الأمرَ عن ظاهره لشيئين:
أحدهما: أنَّ الله تعالى قد خيَّر بين التزويج والتَّسَرِّي بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾،