وتقسيم ولي الدين مقروءات والده إلى حضور وسماع بالنسبة له، يفيد امتداد تلك القراءة خلال السنوات الثلاث من سنة ٧٦٣ هـ عقب ولادة أحمد إلى سنة ٧٦٦ هـ حيث غادر ابن جماعة مصر للمرة الأخيرة كما ذكرنا، مع استثناء فترة رحلة العراقي سنة ٧٦٥ هـ كما سيأتي، ويستفاد من عبارة ولي الدين ابن العراقي أيضًا، حرص والده على الاستفادة من الحافظ ابن جماعة إلى أقصى حد، وتركيز ذلك في آخر حياة الرجل، حيث نضجت ثقافته الحديثية، وعلا إسناده، حتى تفرّد عن عامة المصريين ببعض مروياته التي تلقاها عنه العراقي كما مر، بل إنه روى عنه بعض ما قرأ عليه بمكة (١)، حيث كان كل منهما كثير الحج والمجاورة بالحرمين، وهذا مما يدل على حرص العراقي على التلقي عنه أينما كان.
ولم يلق ابن جماعة ربه حتى شهد صدق نظرته في تلميذه العراقي قد تحققت، وثمرة توجيهه قد أينعت، حيث أثبت بين يديه كفاءته الفعلية للعلم الذي أحبه ورشحه له أستاذه، وأظهر في التحصيل والإنتاج تفوقه على أقرانه ومعاصريه، فكان ابن جماعة في مقدمة من قرت عينه بذلك، فرفعه من درجة المحدث التي استحقها بتخرجه على ابن التركماني، إلى درجة الحافظ، حيث وصفه بالتحقيق والحفظ (٢)، والأخير وصف اصطلاحي إذا وصف به أحد الحفاظ المعتمدين تلميذا له صار شهادة منه ببلوغه درجة الحافظ (٣).
على أن ابن جماعة لم يقتصر على ذلك، بل قال عن العراقي في صراحة:
(١) المجلس ٨٦ من (أمالي العراقي الحديثية) / ٧٧ (ضمن مجموعة مخطوطة). (٢) (المنهل الصافي) ج ٢ ص ٣١٢ ب. (٣) انظر: «ذيل ولي الدين بن العراقي» وفيات سنة ٧٧٤ هـ (ترجمة ابن رافع).