الدلالة على تركز نشاط العراقي في علوم السنة، وتقدمه في تحصيلها أكثر من دلالة كثرة الأسانيد العالية التي هي من الفروع لا من الأصول.
حتى لقد عدها الحافظ ابن كثير شيخ العراقي قليلة الجدوى بالنسبة لباقي علوم السنة (١).
بل إن ابن حجر نفسه انتقد انشغال المتأخرين بها عن الأهم من باقي علوم السنة، وقال ابن دقيق العيد:«أن رغبتهم فيها أدت إلى خلل كثير في الصنعة، بالإعراض عمن طلب العلم بنفسه بتمييزه، إلى من أُجْلِسَ صغيرا لا تمييز له، ولا ضبط ولا فهم، طلبا للعلو وتقدم السماع»(٢).
فإذا كان قد فاته في هذه المرحلة الإكثار من الرواية العالية، فإنه لم يفته الأهم، وهو الدراية الجيدة حيث تمرس بالبحث في كتب السنة وتتلمذ لأهل الفن حتى تأهل للتخرج في علومها على يد بعضهم ورافق بعضهم في التأليف الجيد الضخم كما سيأتي.
كما لم يفته تحصيل كثير من المرويات بالسماع وغيره من طرق التلقي، ولو بالوجادة، كما يظهر من مئات المراجع وأمهات مصادر السنة التي اعتمد عليها في تخريج (الإحياء الكبير) الذي فرغ من مسودته كما سيأتي سنة ٧٥١ هـ أي قبل التاريخ الذي يدعي الحافظ ابن حجر ابتداء طلبه الجاد فيه بعام تقريبا.
على أن ما أثاره ابن حجر ومن تبعه حول تلك المرحلة من مسيرة العراقي في
(١) «اختصار علوم الحديث» له مع «الباعث الحثيث»، ص ١٦١. (٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/١٩.