إلى مرحلة الإسماع بعد سن التمييز ألا وهو الخامسة، نجد أيضًا لوالد العراقي تأثيره السلبي بالنسبة لإسماع ولده الحديث، وربطه بأهله، فرغم أنه بعد حفظ القرآن في الثامنة من عمره كما تقدّم، وجهه للدراسات العامة المتقدمة وطاف به فعلا على الشيوخ وأسمعه منهم، إلا أنه اتجه به إلى نوعية معينة من الشيوخ والمجالس، وهم شيوخ التصوف ومجالسهم الوعظية، لمجرد الاستفادة الشخصية، وبدون قصد الطلب كما أوضحنا.
حتى إن من كان منهم له بجانب مجالس الوعظ والتذكير، مجالس للتحديث، وتمتع بعلو السند، نجد حضور العراقي عليه حينئذ يقتصر على مجالس الوعظ فقط، دون مجالس التحديث.
ويذكر لنا العراقي بنفسه ذلك حيث يترجم للشيخ محمد بن إبراهيم الجعبري المتوفى في ٢٤ من المحرم سنة ٧٣٧ هـ فيذكر أنه سمع صحيح مسلم من الرضي ابن البرهان، وسمع أيضًا من النجيب، ثم يقول: إنه حدث ووعظ وذكر، وسمع منه ناصر الدين الفارقي، ثم يذكر صلته هو به فيقول:«وقد حضرت مجلسه للتذكير غير مرة»(١).
وبالتأمل يظهر لنا أن العراقي ما كان أحرصه وأحراه أن يذكر حضوره مجالس تحديث الجعبري، وظَفَرَه بالسماع منه مثلما ذكر سماع الفارقي، وذلك لأن الفارقي هذا أحد شيوخ العراقي في الحديث، فيكون في مشاركة العراقي له في السماع من الجعبري ميزة مساواته لشيخه في الإسناد.
كما أن النجيب الذي أثبت العراقي سماع الجعبري منه، هو عبد اللطيف.
(١) و «المنتقى من تاريخ العراقي» (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).