فلو كان هذا حديثًا لَكُتِبَتْ به في الصَّحابيات، فقد كُتِبُوا وكُتِبْنَ بأمثاله.
والعَجَبُ كلُّه سُكوتُ أبي محمد عنه، وهو لا يَسْكُت - زعم - إلا عن صحيح، ولم يُبْرِزْ إسناده فيتبرأ من عُهدَتِه بِذِكْرِه، ولَعَمْرِ اللهِ ما لعبد السلام بن عبد الله بن جابر، ولا لأبيه عبد الله بن جابرٍ ذِكْرٌ في شيءٍ من كُتب الرِّجالِ، ولا أعرفهما برواية شيء من العلم غير هذا، فكيف يُصَدِّحُ حديثًا (١) بروايتهما (٢). وما هو إلا قلد ابن حزم.
ويَغْلِبُ على ظنِّي أنّ ابن حزم لم يَجْعَلْهُ حديثًا ولا صححه، ولا التَفَتَ إليه، وإنما أورَدَه في كتابه على أنه أثر كما هو في الأصل، لا [على](٣) أنه خبر، ولذلك لم يُبال إسناده، فتصحف على الرواة والنساخ، فجعل حديثًا عن النبي ﵇.
وقد عُهد أبو محمد ابن حزمٍ يَكْتُب الآثار في كتابه من غير التفات إلى أسانيدها، لأنه لا يحتج بها، وإنّما يُورِدُها مؤنسًا لخصومه بما وضع من مَذْهَبٍ، وهو لا يستوحِشُ بِعَدَمِهَا؛ ولأنه قد عَهِدَهُم يقبلونها كذلك، وبعضُهم يراها حُجَجًا، فهو يُوردها لنفسه باعتبار معتقدهم فيها ولا يعتمدها، وقد يَرِدُها على خُصومه بضَعْفِهَا، لأنهم يُوردونها لا كما يُورِدُها هو لنفسه، بل مُحتجين بها، ولذلك يُسلِّط لهم عليها النقد، فاعلم ذلك.
١٣٢١ - وذكر (٤) حديث: «من أهل بعُمْرَةٍ أو حَجَةٍ من المسجد الأقصى»(٥).
= بنت المهاجر، نَسَبها إلى أبيها، أو بنت جابر، نَسَبها إلى جدها الأدنى». (١) كذا في النسخة الخطية: «حديث» بالرفع، ومثله في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٢٧٥)، ولا يصح هذا هنا، والصواب أن يقول: (حديثًا) بالنصب إلا أن تكون: (يُصَحَحُ حديث) بالبناء للمجهول. (٢) ما ذكره في عبد السلام بن عبد الله بن جابر وأبيه من جهة أنهما لا يُعرفان صحيح على ما سلف بيانه من عند الحافظ ابن حجر في لسان الميزان، إلّا أنّ هذا لا يستلزم عدم صحة هذا الحديث الموقوف من طريق آخر أصح منه، فقد فاته أنه في صحيح البخاري من وجه ثابت، وقد سلف تخريجه من عنده. (٣) في النسخة الخطية: «كما»، ولا يصح هذا هنا، والمثبت على الصواب من بيان الوهم والإيهام (٢/ ٢٧٥). (٤) بيان الوهم والإيهام (٢/ ٢٠٨) الحديث رقم: (١٩٢)، وهو في الأحكام الوسطى (٢/ ٢٦٧). (٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب في المواقيت (٢/ ١٤٣ - ١٤٤) الحديث رقم: (١٧٤١)، من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن يُحَنَّس، عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، عن جدته حُكَيْمَة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ، أنها سمعت رسول الله ﷺ =