بيته حتى صار يحتدق على نفسه ثم يطمِع في ملك الملوك! فأنزل الله الآية (١) تنافيه معنى الدعاء والسؤال، و {اللَّهُمَّ} في الأصل: يا الله، فعلّق بآخره الميمان بدلًا عن حروف النداء عند البصريين. وقال الفراء: أرى أن الميم في آخره بقية كلام وتقديره: يا الله أم بالخير، أي: اقصد، مثل هلم إلينا، وقيل: ميم جمع ألحقت بالاسم وذلك جمع الخلق (٢)، و {اللَّهُمَّ} على هذا آله الخلق وآله العباد زيدت ميم أخرى للتأكيد أو زيادة كما زيدت في عبثم ونحوه.
وعن الحسن أن {اللَّهُمَّ} مجمع الدعاء. وعن أبي رجاء العطاردي: في هذا جماعة سبعين (٣) اسمًا من أسماء الله تعالى. وعن النضر بن شميل (٤): من
(١) أخرج الطبري في تفسيره (٥/ ٣٠٣) وابن أبي حاتم (٢/ ٦٢٤) عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - سأل ربه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ ...} [آل عِمرَان: ٢٦] وهذا إن صحَّ فهو قريب مما ذكره المؤلف في سبب النزول، لكن الانقطاع فيه ظاهر بين قتادة والنبي - صلى الله عليه وسلم -. (٢) قال الفراء: "اللهم" كلمة تنصبها العرب، وقد قال بعض النحويين [منهم الخليل كما ذكره سيبويه]: إنما نصبت إذ زيدت فيها الميمان لأنها لا تنادى بـ"يا" كما تقول: يا زيد، فجعلت الميم فيها خلفًا من "يا". ومنه قول الراجز: وما عليكِ أن تقولي كُلَّمَا ... صلَّيتِ أوسَبَّحتِ يا اللهم ما ... أُرْدُدْ علينا شيخنا مُسَلَّمَا وهذا خاص بهذا الاسم الشريف - الله- ولا يجوز في غيره، ولذا لا يجوز الجمع بينها وبين حرف النداء في هذا الاسم، فلا تقل - يا اللهمَّ-، وهذا رأي البصريين إلا أنهم أجازوا الجمع في ضرورة الشعر كما في البيت السابق. وأما الكوفيون فقالوا: الميم المشددة بقية فعل محذوف تقديره: أُمَّنَا بخير. أي: اقصدنا به من قولك أَمَّمْتُ زيدًا: أي قصدته، ومنه قوله تعالى: {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المَائدة: ٢] أي: قاصديه. وهذا رأي الفراء كما ذكره المؤلف. والكلام يطول حول هذه الكلمة وما فيها من أحكام ليس هذا مقام بسطها. [معاني القرآن للفراء (١/ ٢٠٣)؛ الكتاب (١/ ٣١٠)؛ الدر المصون (٣/ ٩٧)؛ الطبري (٥/ ٢٩٩)]. (٣) في "ب": (سبعين ألفًا) وهو خطأ. (٤) في "ب": (النضر بن محمَّد بن شميل) وهو خطأ.