والثالث: سفه نفسه فانتصب بنزع الخافض، ويحتمل هذا قوله:"إلا من سفه الحق"، وقولهم: فلانٌ سفه رأيُه. والرابع: قولُ (١) الفراء أن الفعل للنفس فلما أسند إلى (مَنْ) انتصب النفس على التفسير كقوله: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا}(٢). وقولهم (٣): ضقْتُ به ذرعًا من المعرفة كالنكرة، وكقوله:(بطرت معيشتها)(٤)، وتقولُ العربُ: وجعت (٥) بطنك وَوثقت رأيك، والدليلُ على أنَّ السفه فعلُ النفسِ غير واقع على النفس أنه لا يقال: رأيُه سفه زيدٌ، كما لا يقالُ: دارًا أنت أوسعُهُم، إنما يقال: زيدٌ سفه رأيُه، وأنت أوسعُهُم دارًا.
وقول أبي عبيدة (٦) وأبي عبيد (٧) أن معنى قوله: سفه نفسه أهلكها وأوبقها لا معنى لَهُ إلا أن يحمل قولهم: سفه الشرابَ على معنى استهلك. {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ} اخترناه، وفلانٌ اصطفى فلانًا، أي: جعله صفيًا، وهو على وزن الافتعال، وإنما جُعلت التاء فيه طاء لموافقتها الصاد في الإطباق. وإنما اصطفاه في الدنيا بالرسالة والخُلَّة. و {الدُّنْيَا} هي
= ومن عرف نفسه بالعجز والضعف فقد عرف ربه بالقدرة والقوة. [الأسرار المرفوعة لملا علي القاري ص ٣٣٧ - المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٤١٩ - الحاوي للسيوطي (٢/ ٤١٢)]. (١) في "أ": (قال). (٢) سورة النساء: ٤. (٣) المثبت من "ي" وفي البقية: (قولك). (٤) سورة القصص: ٥٨. (٥) في "ب": (وحقًا جعت) وهذا خطأ. (٦) أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (١/ ٥٦). (٧) أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله. الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون الكثيرة، كان أبوه مملوكًا روميًا لرجل هروي، ولد أبو عبيد سنة سبع وخمسين ومائة، قال ابن سعد: كان أبو عبيد صاحب نحو وعربية وطلب للحديث والفقه. قال الذهبي: له كتاب "الأموال" لم يصنف مثله في الفقه، وله كتاب "غريب الحديث" ذكره بأسانيده، ومصنفاته كثيرة جدًا يطول ذكرها. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. [وفيات الأعيان (٤/ ٦٠)؛ الكامل لابن الأثير (٦/ ٥٠٩)؛ إنباه الرواه (٣/ ١٢)؛ السير (١٠/ ٤٩٠)].