{فَأَتَمَّهُنَّ} يحتمل أنه فعل الله تعالى فيكون بمعنى القضاء والإبرام، ويحتمل أنه فعل إبراهيم - عليه السلام - فيكون بمعنى الوفاء بها (١){لِلنَّاسِ إِمَامًا} والإمام: الذي ينتهى إلى رأيه (٢)، وقوله:{اقْتَدِهْ} وليس من شرط الإِمام الائتمام بالإمام في فعله المجرد ما لم ينضم إليه رأي أو قول، وذلك يؤدي إلى المضاهاة والمساواة.
وعلى الإمام رعاية المؤتمِّين، قال اللهُ تعالى لإبراهيمَ:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا}(٣) وقال: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}(٤){قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} ذريةُ الرجلِ ما يتفرق وينتشر منه على وجه الأرض، وقيل: هي من: ذرأ اللهُ الخلق - بالهمزة - فيكون الذرية خليقة اللهِ منه.
{لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} النيل: هو الإدراك والإصابة. والعهد: الوصية والأمانة لقوله: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ}. والظلم ها هنا (٥) ظلم الاعتقاد لا ظلم السيرة (٦)، لقوله:{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(٧)(٨). يدُّل عليه قوله في شأنِ أهل مكة وهم ذرية إبراهيم:{وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}(٩)
(١) الأقرب في "أتمهنَّ" أنه يعود على إبراهيم - عليه السلام - أي أتمَّ هذه الكلمات، وإتمامه إياهنَّ إكماله إياهن بالقيام لله بما أوجب عليه فيهن، وهو الوفاء الذي قال الله فيه: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)}. [معاني القرآن للفراء (١/ ٧٦) - غريب القرآن لابن قتيبة ص ٦٣ - تفسير الطبري (٣/ ٧) - البغوي (١/ ١٠٤)]. (٢) وقال الزجاج في معاني القرآن (١/ ١٨٤): الإِمام هو الذي يؤتمُّ به فيفعل أهله وأمَّته كما فعل، أي يقصدون لما يقصد. (٣) سورة الحج: ٢٧. (٤) سورة البقرة: ١٢٥. (٥) في "أ": (هنا). (٦) في "أ": (اليسيرة). (٧) سورة البقرة: ٢٥٤. (٨) ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: ١٣]. (٩) سورة هود: ٨٣.