لي رجلًا، فجملوه على طريق الإجمال ولم يتسارعوا إلى الائتمار والإقبال فَزلُّوا وأَضلّوا. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لو اعترضوا على أية بقرة كانت فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شدّدوا فشدَّد الله على أنفسهم"(١). والهُزؤ: مصدرٌ أقيم مقام المفعول (٢)، كقوله:{وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} يعني: مستهزأ به، والجهلُ: نقيضُ العلم. والشيءُ المجهول ما لا يثبت معلومًا معقولًا. وقد يكون بمعنى الاعتداء، قال الشاعر (٣):
أَلاَ لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا ... فَنَجْهَل فوقَ جهلِ الجاهلينا
والوجهان محتملان هاهنا, لأن من استهزأ في غير (٤) موضع الاستهزاء كان جاهلًا بقبحه متعديًا في أمره.
{يُبَيِّنْ لَنَا} تبيينك الشيءَ: تصييرُكَ إياه بيِّنًا، والبيان والإبانة والاستبانة بمعنى (٥)، وهو: الامتياز والاتِّضاح، والتمييزُ والإيضاح والتبيين نقيضُ: التلبيس وغير التبيين. {مَا هِيَ} استفهامٌ عن صفة (٦) البقرة،
(١) هذا الحديث رواه الطبري (٢/ ٢٠٤)، والبيهقي في السنن (٦/ ٣٦٢) وعزاه ابن كثير في تفسيره لابن مردويه وقال عن الحديث: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة". وقد ضعفه ابن حجر في الكافي الشافي (١/ ١٥١). والأثر وجدته عند ابن أبي حاتم (٦٩٠) من قول عبيدة السليماني عن بني إسرائيل، وهذا هو الراجح أنَّه من الإسرائيليات. (٢) {هُزُوًا} هي مفعول ثانٍ لـ {أَتَتَّخِذُنَا}، وفي وقوعها مفعولًا ثانيًا ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه على حذف مضاف أي ذوي هُزْء. القول الثاني: أنه مصدر واقع موقع المفعول به، أي: مهزوءًا بنا. القول الثالث: أنهم جعلوا نفس الهُزْءِ مبالغة، وهذا القول أقرب الأقوال، وهو الذي رجحه السمين الحلبي في تفسيره. [الدر المصون (١/ ٤١٨) - البحر (١/ ٢٥٠) - الكشاف (١/ ٢٨٦)]. (٣) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم. (٤) ليست في "أ". (٥) ليست في "أ". (٦) ليست في "ن".