من سواحل زبيد، كان أبوه مهديّ رجلا صالحا، ونشأ ابنه على طريقة أبيه في العزلة والتمسك بالصلاح، ثم حجّ واجتمع بالعراقيين، وتضلع من معارفهم، ثم صار واعظا، وكان فصيحا صبيحا حسن الصوت، عالما بالتفسير، غزير المحفوظات، وكان يتحدث في شيء من أحوال المستقبلات فيصدق فمالت إليه القلوب، واستفحل أمره، وصار له جموع، فقصد الجبال وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين وخمس مئة، ثم عاد إلى أملاكه، وكان يقول في وعظه: «أيها الناس! دنا الوقت [وأزف](١) الأمر، كأنكم بما أقول لكم [وقد](٢) رأيتموه عيانا»، ثم عاد إلى الجبال إلى حصن يقال له الشرف (٣)، وهو لبطن من خولان فأطاعوه وسماهم الأنصار، وسمى كلّ من صعد معه من تهامة المهاجرين، وأقام على خولان رجلا اسمه سبأ وعلى المهاجرين رجلا اسمه النويتي وسمى كلا [من](٤) الرجلين بشيخ الإسلام وجعلهما نقيبين على الطائفتين فلا يخاطبه [ولا يصل](٥) أحد [إليه](٤) غيرهما، وهما يوصلان كلامه إلى الطائفتين [وكلام الطائفتين](٦) وحوائجهما إليه (٧)، وأخذ يغادي الغارات ويراوحها على
(١): في الأصل: أزف، والتصحيح من عمارة اليمني (القول المفيد، ص ١٨٦). (٢): في الأصل: قد، والتصحيح من (أبو الفدا ٣/ ٣٥). (٣): حصن الشرف: حصن منيع، وقد أضفت مناعته على حركة ابن مهدي قوة فوق قوة، ويقول عمارة اليمني (القول المفيد، ص ١٨٦ - ١٨٧) إن الإنسان إذا أراد أن يصل إلى الحصن المذكور مشى في واد ضيق بين جبلين مسافة يوم كامل وبعض يوم، فإذا وصل إلى أصل الجبل الذي فيه الحصن احتاج إلى طلوع النقيل إلى نصف يوم حتى يقطع العقبة ومنها أن الوادي يصل مسيله من تهامة بحراج عظيمة إذا كمنت فيه الجيوش العظيمة الجرارة أشهرا لم يعلم بهم أحد! (٤): إضافة من (أبو الفدا ٣/ ٣٥). (٥): إضافة من عمارة اليمني (القول المفيد، ص ١٨٦). (٦): ساقطة من الأصل، والإضافة من (أبو الفدا ٣/ ٣٥). (٧): يضيف عمارة اليمني (القول المفيد، ص ١٨٦): «وربما احتجب فلا يرونه»، وهو يعزو ذلك إلى سوء ظنه بكل أحد ممن هو في صحبته خوفا منه على نفسه.