حضرة القاهرة، وسفرته من إفريقية إلى مصر وما ظهر منه من حسن التدبير، وهبوب النصر والحزم والاستيلاء، كسفرة المأمون (١) من خراسان إلى بغداد، وتسكينه ما اشتعل من نار الفتنة، وظهر من ابنه العزيز (٢) من حسن المداراة والتسكين للناس ما ضرب من أجله المثل بأيامه في مصر، وصار يقال أحسن من أيام العزيز، وكان من عجائبهم المستنصر (٣) فإنه جاوز في أمر الخلافة ستين سنة، ولم يبلغ هذه المدة خليفة في المشرق، وكانت له من خزائن الأموال وعظم الأسد ونفوذه، واتساع الخطبة وفيضها في أقطار المشرق والمغرب ما يطول ذكره، ثم انعكس عليه ذلك، فاقتنصت البلاد بالمشرق والمغرب منه (ص ٥٣) واضطرمت الفتن بحضرته بالقاهرة، وافتقر وضعف أمره، وآل حاله إلى أن قال لشخص من خواصه طالبه بشيء: والله لقد أصبحت لا ينفذ لي أمر إلا من مكاني إلى باب قصري، ولا أملك مالا إلا ما تراه عليّ وتحتي (٤).
وعبيد الله المهدي أوّل خلفائهم (٥) يشبّه بالسفاح أول خلفاء بني
= بمصر وكانت مدة حكمه فيها نحو ثلاث سنوات ومجموع حكمه لها وللمغرب نحو أربع وعشرين سنة. انظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ١٥٩ - ١٦٧ والبداية والنهاية ١١/ ٣٧١ - ٣٧٢. (١) أسلفت ترجمته في هامش ١ من ص ١٤٦. انظر سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٧٢ - ٢٩٠. (٢) العزيز بالله هو نزار بن معد المعز لدين الله بن المنصور العبيدي الفاطمي (٣٤٤ - ٣٨٦ هـ) صاحب مصر كان كريما شجاعا حسن الأخلاق. انظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ١٦٧ - ١٧٣ والعبر ١/ ٣٩٢. (٣) المستنصر بالله صاحب مصر أبو تميم معدّ بن الظاهر لإعزاز دين الله علي بن منصور بن العزيز بن المعز العبيدي (٤١٧ - ٤٨٧ هـ). انظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ١٨٦ - ١٩٦. (٤) انظر سوء حاله وما انتهى إليه. سير أعلام النبلاء ١٥/ ١٩١. (٥) هو عبيد الله بن محمد الحبيب (٢٥٩ - ٣٢٢ هـ)، أسلفت ترجمته في هامش ص ١٤٨ وقارن بصفحة ١٣١ هـ ٤. وانظر طبقات سلاطين الإسلام ٦٨ و ٦٩ وهو والد الخلفاء الفاطميين (الباطنية العبيدية)، كان بسلمية فبعث دعاته إلى اليمن والمغرب، واستولى على مملكة المغرب، وامتدت دولته بضعا وعشرين سنة. انظر العبر في خبر من عبر ٣٠٤. والبداية والنهاية ١١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.