للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

والثالث: {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} (١).

وإن كانت محمولةً على غيرها؛ فإن كان ذلك الغيرُ نكرةً فهي صفة، نحو: مررت برجلٍ حَسْبِك من رجلٍ، ولا تثنَّى، ولا تجمع؛ وذلك لأنه مصدر في الأصل، وإن كانت معرفةً فهي حالٌ، نحو: رأيت زيدًا حَسْبُ يا فتى، قال الجَوْهَريُّ (٢): تريد: حَسْبي، أو: حَسْبُك، فأضمرت هذا، فلذلك لم تنوِّنْ؛ لأنك أردت الإضافةَ، كما تقول: جاءني زيدٌ ليس غيرُ، تريد: ليس غيرُه عندي. انتهى.

فعلى هذا تقول: مررت بزيدٍ حَسْبَك، أي: كافِيَك، ولا يمتنع: مررت بزيدٍ حَسْبًا، أي: كافيًا.

ويصحُّ حينئذٍ قولُه: «وأَعْرَبوا نصبًا» البيتَ، غيرَ أن النصب هنا ليس على الظرفية كما في "قبلُ" و"بعدُ"، بل على الحالية.

ويبقى عليه -إذا صحَّ هذا التأويلُ- اعتراضان:

أحدهما: أنه يُوهم ظاهرُ كلامه أن النصب فيهنَّ على وجهٍ واحدٍ، وإنما هو مختَلِف، كما بيَّنَّا.

والثاني: أن النصب بعد المعرفة خاصةً، لا مطلقًا؛ لأنه بعد النكرة لا يكون حالًا، بل نعتًا، فلا يستقيم نصبُه مطلقًا.

وهنا تنبيهان:

أحدهما: أن بناء "أوَّلُ" على حركةٍ مبطلٌ لتعليل بناء "قبلُ" و"بعدُ" على الحركة؛ لخشية (٣) التقاء الساكنين، على أنه باطلٌ من وجهٍ آخَرَ، وهو أن كل مبنيٍّ أصلُه الإعرابُ، فليس حقُّه السكونَ، بل الحركة.

الثاني: أن بناء "حَسْبُ" على الضم دليلٌ على بطلان قولِ مَنْ علَّل بناء "قبلُ"


(١) الأنفال ٦٢.
(٢) الصحاح (ح س ب) ١/ ١١١.
(٣) كذا في المخطوطة، ولعل الصواب ما عند ياسين: بخشية.

<<  <  ج: ص:  >  >>