التعريف، أي: من قبلِ الأشياء كلِّها وبعدِها، وقراءةُ الخفض (١) على تقدير التنكير، أي: متقدِّمًا ومتأخِّرًا، فعلى هذا "قبلُ" و"بعدُ" المبنيَّان ونحوُهما معارفُ بالإضافة المقدرةِ، فإذا لُفِظ بالمضاف المقدَّرِ كانت معرفةً، فهي إذًا متمكِّنةٌ إذا لُفِظ بالمضاف، وإذا قُدِّرت غيرَ متمكِّنةٍ فهي نفسُها متمكِّنةٌ في موضعٍ وغيرُ متمكِّنةٍ في موضعٍ، كما زعم س (٢)، وأما "عَلُ" فإنها أيضًا إذا بُنيت معرفةٌ كذلك، غيرَ أنها لا يُلفَظ لها بمضاف إليه (٣).
* السِّيرَافيُّ (٤): "قبلُ" و"بعدُ" أصلُهما أن يكونا مضافين، فإذا حذف ما أضيفا إليه، واكتُفي بمعرفة المخاطب صارا بمنزلة بعض الاسم؛ لأن المضاف والمضاف إليه كشيءٍ واحد، فلما بقي المضاف دون المضاف إليه، وتضمَّن معنى الإضافة وجب أن يُبنى؛ لأن بعض الاسم مبنيٌّ، فإذا نُكِّرا لَحِقهما الإعراب، كقولك: جئتك قبلًا يا هذا، ومِنْ قبلٍ، ومِنْ بعدٍ؛ لأنهما لَمَّا نُكِّرا لم يتضمَّنا معناهما مضافين، فلم يصيرا كبعض الاسم، قال (٥):
فإن قيل: وما وجه كونهما منكورين في حالٍ، ومعروفين في حالٍ، إذا كانا مفردين؟
قيل: أما كونهما معروفين فأَنْ يكون المضاف المحذوفُ منهما معرفةً، فيتعرَّفان به، فإذا حذفته لمعرفة المخاطب فقد فَهِم بهما مفردين ما كان يفهمُه بهما مضافين، فهما على حدِّهما في التعريف، ومن ذلك: قولُه تعالى: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ}(٧)، أراد: من قبلِ الأشياء ومن بعدِها، فحذف "الأشياء"، وفُهِم المعنى.
(١) هي قراءة أبي السمَّال والجَحْدَري وعون العُقَيلي. ينظر: البحر المحيط ٨/ ٣٧٥. (٢) الكتاب ٣/ ٢٨٩. (٣) الحاشية في: ٦٥. (٤) شرح كتاب سيبويه ١/ ١٣٠ - ١٣٣. (٥) هو عبدالله بن يعرب بن معاوية، وقيل: يزيد بن الصَّعِق. (٦) بعض بيت من الوافر، تقدَّم قريبًا. (٧) الروم ٤.