وقد خرم الغور (١) الثريا كأنها … له راية بيضاء تخفض للطعن
ومن أسجاع العرب قولهم (٢): إذا طلع النجم فالحي (٣) في حدم، والعشب في حطم الحدم: توقد الحي والنار، قوله: والعشب في حطم، يريد أنه حينئذ يهيج ويتكسر، واعلم أن الثريا تظهر من أول الليل عند ابتداء البرد، ثم تنحدر عن وسط السماء فتكون في كل ليلة أقرب من أفق المغرب من الليلة الماضية، وأبعد عن وسط السماء إلى أن يهل معها الهلال أول ليلة منه، ثم تمكن شيئًا يسيرًا، وهذا المغيب هو استتارها، ثم تبدو بالغداة من المشرق في أشدّ ما يكون من الحرّ، وفي جميع هذه الأحوال تكلّم الشعراء قال حاتم الطائي يذكر ظهورها أول الليل في أشدّ البرد، ويدل بذلك على شدة الزمان:[من الطويل]
إذا النجم أضحى مغرب الشمس رابيًا … ولم يك برق في السماءِ يُنيرها (٤)
يريد: إذا كان الأمر كذلك لم يكن مَطَر. وقال ساجع العرب: إِذا طَلَعَ النجم عشاء، ابتغى الراعي كساء (٥). وفي توسطها السماء يقول ساجع العرب (٦): إِذا أَمسَتِ التُّريَّا قم رأس، ففي الدثار فاخنس، وعظما هن (٧) فاحدس، وإِن سُئلت (٨) فاعبس. يريد أنه إذا صارت الثريا على مسامتة الرأس، فاخنس أي استتر من البرد، ولا تسافر، يريد عظام الإبل فاصدع للنحر، وقوله: وإِن سُئلت فاعبس، أي أظهر العُبوس لما سألك ومُرْهُ بالمنع.
ثم الدبران (٩): وهو كوكب أحمر منير يتلو الثريا، ويُسمّى تابع النجم، ويُسمَّى الفنيق، وهو الجمل الكبير، ويُسمّى المجدَح، وهو الذي ذكر في الحديث: لو أَنَّ الله حَبَسَ القطر عن الناس سبع سنين، ثم أرسله أصبحت طائفة به كافرين، يقولون مطرنا بالمجدح. قال الشاعر:[من المتقارب]
وأظعن بالقومِ شطر المُلوكِ … حتى إذا خَفَقَ المجدَحُ (١٠)
(١) كذا في الأصل، وفي الديوان الغرب. (٢) الأنواء ص ٢٩. (٣) في الأنواء «الحر». (٤) ديوان حاتم الطائي ص ٦٢ (طبعة صادر) وفي الأصل: إذا الشمس مغرب الشمس. وصحح الشطر عن الديوان، وعجز البيت فيه: ولم يك بالآفاق بون ينيرها. (٥) السجع في الأنواء ص ٣١. (٦) الأنواء ص ٣١. (٧) في الأصل (عظامهن) والتصويب عن الأنواء. (٨) في الأصل: شئت والتصويب عن الأنواء. (٩) الأنواء ص ٤١. (١٠) البيت في الأنواء ٤١ بدون نسبة، ولسان العرب (جدح) و (خفق) وعزاه إلى درهم بن زيد الأنصاري.