وهو غالب طرق الناس لعوارض تعرض بين المكانين، حتى إنه ليكون فيما هو داخل أسوار المدن، بل تتلاصق الدار بالدار، ظهر واحدة إلى ظهر أخرى. فلو خُرِّق الجدار بينهما لكان بعد ما بينهما عرض الجدار، والمسلك بينهما بعيد من خارج، يمشي الماشي من درب إلى درب آخر، يقطع مداهما حتى يصل إلى تلك الدار، وليس بينهما إلا عرض الجدار كما قدمنا، واعلم أنه لو سافر المسافر من جهةٍ إلى أخرى على الطريق القاصد والسَّمْت المستقيم لبلغ قصده في أقرب مدى، ولكنه يأخذ في طريقه تارةً يمينًا وتارةً شمالًا، بتعاريج للضرورات المقتضية للتصريح، إما بأن يكون قدامه جبل شاهق أو وادٍ عميق أو هوّة لا تبلغ، أو برّ مُقفر أو مكان معطش أو خطر مخوف، أو ما هذا حُكْمُهُ، فيأخذ المسافر في طريقه على تعريجات يبعد بها عن الطريق، ويشطُ المزار. وإذا تأمّل المسافر بعين الفكر رأى الأمر على ما قلناه.
وقد ذكر ابن سعيد في كتاب المغرب في أخبار المغرب قال (١): لو أن المسافر سافر من مصر إلى طريق الأنبار إلى بغداد إلى خوزستان إلى فارس إلى كرمان إلى سجستان إلى السند وما تاخَمَهُ من بلاد التتر إلى الصين إلى صين الصين، فإنه لا يبرح في الإقليم الثالث. ألا ترى إلى المسافرين يسافرون من مصر إلى بغداد على الشام والجزيرة في نحو ثلاثة أشهر أو أكثر، ولو سلكوا على طريق الأنبار قطعوه إليها من مصر في نصف شهر، فعلى هذا فقس ذلك.
قلت: والذي ذكره ابن سعيد صحيح، فإن المشهور عن عرب أهل الشام أنه من صر خد (٢) إلى أوائل العراق خمسة أيام في البرّ، وإن من صرخد إلى مصر على طريق
(١) لم يرد كلام ابن سعيد فيما طبع من المغرب، ولا فيما طبع منه باسم (النجوم الزاهرة في حلى مصر والقاهرة). (٢) صرخد بلد ملاصق لبلاد حوران، من أعمال دمشق (معجم البلدان ٣/ ٤٠١).