الجفار (١) ثمانية أيام، كل هذا لو قدرناه بالسير المعتاد، ويبقى من أوائل العراق إلى بغداد في البر على الخط المستقيم مسافة يومين أو ثلاثة، فهذا صحيح لاشك فيه، وما ترك السفار سلوك تلك الطريق القاصدة وعدلوا إلى هذه البعيدة إلا لموجب عظيم وهو المرور على المدن في العمارة المتصلة والأنس بالناس من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، وقد قال ابن سعيد: المسافة المحققة عند المغاربة من البحر المحيط إلى عريش مصر نحو خمسة أشهر، من أول المغرب إلى آخره إلا أن هذه المسافة في خط مستقيم على ساحل البحر السبتي الذي يشق دائرة معمور الأرض في وسط الإقليم الرابع، فالمسافر إذا غرب من العريش، كان في آخر الإقليم الثالث مزاحمًا بأول الإقليم الرابع، لا يبرح في ذلك السمت بساحل مصر وساحل برقة وساحل إفريقية والغرب الأوسط ثم يتيامن إلى الشمال قليلًا داخلًا في أول الإقليم الرابع، لا يخرج عنه إلى البحر المحيط، وأما مسافة المشرق فمع أن تكون هذا القدر أو ما قاربه فيما يظهر لعامة المسافرين. إن طريقها ليست على استقامة، وذلك أن المسافر إذا سافر من أول مصر إلى بلاد الصين حيث البحر المحيط، سار من الإقليم الثالث على الشام متغلغلًا في الإقليم الرابع على غير طول مسافة من القدر المعلوم، ثم أخذ على الجزيرة وسار نحو شهرزور، وما يكون من بلاد العجم في الإقليم الخامس أو ما زاحمه إلى أن ينتهي إلى بخارى إلى خوارزم حيث نهر جيحون وخوارزم بالتحقيق في الإقليم الخامس. ثم يسير من ههنا إلى قراقرم في نحو ثلاثة أشهر في غير طريق مستقيمة وإن كانت سهلة، ليست بذات جبال أو بحار، ولكن كذلك اقتضى وزن المدينة المذكورة عن ذلك المكان، إِذْ خوارزم في الإقليم الخامس. وقراقرم في الإقليم الثالث، ويبقى من هذه المدينة إلى بلاد قرقر حيث تطلع الأشخاص الذين عيونهم في صدورهم، وحيث البحر المحيط أقل من شهرين. هكذا قال ابن سعيد. وأنا لا أصدق قول من جزم بوجود هؤلاء الأشخاص الذين عيونهم في صدورهم، اللهم إلا أن يكونوا من غير نوع الإنسان، والقدرة صالحة ويخلق ما لا تعلمون.
ثم إن ابن سعيد قال: ولا يسمع السامع هذا فيقول كيف وقد سمعنا أن بلاد الصين في طولها خاصة نحو ثلاثة أشهر، فالجواب أن طول الصين في عرض الأرض؛
(١) الجفار: مواضع عديدة، بنجد وبين البصرة والكوفة، وآخر في الحجاز. انظر (معجم البلدان ٢/ ١٤٥).