اعلم أن البحر هو العنصر الأعظم والمخلوق الأكبر والعجيب والمألوف الغريب، وجميع العالم في دائرته، وعلى بعض ما انكشف عنه وفيه أوضح الدلالات على قدرة خالقه وعظيم خلقه وبديع صنعه، وقد ذكره الله ﷿ في غير موضع من القرآن الكريم، كلها في مقام التعظيم له، وضرب المثل به كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ (٢) فلو لم يكن البحر الغاية في العظمة وأنه لا يتخيل أحد أنه ينفد لما ضرب المثل به، وأنه ينفد ولا تنفد كلماته ولو جيء بمثله مددًا. وفي الآية الثانية مبالغة، أي أنه لو أن هذا البحر وهو هذا العظيم في أذهانكم، الكبير في صدوركم، ومثله سبعة أبحر تمدّه لنفد وما نفدت كلمات الله، وهذا غاية في تعظيمه؛ لأن الكلام صفة المتكلم، وكلام الله صفة من صفات الله لا يتناهى، ومثله بأكثر ما هو مستقر في صدور بني آدم أنه لا يتناهى، ومن تأمل هذا بعين التحقيق وقف منه على لطيفة لا يمكن التعبير عنها في تعظيم خلق البحر، وهو على ما في ركوبه من الخطر العظيم والضرر الكبير يُفيدُ الأموال الجمّة والنعم الضخمة، ويخرج اللؤلؤ، ويقذف العنبر، ويُنقِدُ الذهب، وقد تقدّم في هذا الكتاب ما يُعرف به مواضع ذلك منه، وأي مكان بَعُدَ عن البحر الملح أربعة عشر يومًا لا يمكن سكنه لإفراطه في الوخامة وسوء الأبخرة، إذ كان الملح مُلطّفًا للهواء ومُفتحًا للسُّدَد، ولهذا يعرض لمن بَعُدَ عن البحر تولّد البرودة القاتلة لغلظ جوهر الهواء وضعفه عن التحليل وما ذكر البحر في