للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

موضع من القرآن الكريم. ولا مكان من الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام إلا في موضع التعظيم، وقَدْ مَنَّ الله به على خَلْقِهِ، وسَخَّرَهُ للعباد، وسجرَهُ عن البلاد، وجعله آية لمعتبر، وغايةً لمتفكّر، وهو أحَدُ السبيلين، ومكاسبه أوفر من البرّ، وربحه أعظم بما لا يُقاس، ولا يدخل في حد قياس والتجار تقول: البحر يُعطي جزافًا ويأخذ جزافًا. وفي البحر خزائن الرزق، ووجوه المنافع، وقد خَلَقَه الله فأبدع خلقه، وشقق به أقطار الأرض لما اقتضته دقائق الحكمة لحمل الأثقال وركوب الرفقة الكثيرة إلى الأماكن البعيدة، والبلاد الشاسعة، وقد كرم الله بني آدم بركوبه وحملهم عليه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)(١) فسبحان من خلقه وأبدعه، وأتقن منه ما صنعه، وبثَّ فيه أنواع الحيوان، وأصناف الدواب، وصَرَّف فيه نوع الإنسان، وذلل لهم مناكبه، وسَهَّل مذاهبه، ويسر لهم مراكبه ويسر راكبه فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)(٢) وقد جعل منه رزقًا طيبًا، وملبسًا فاخرًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)(٣) وجعل أعلامها يهتدى بها في ظلماتها ويُعرف بها مواضع جهاتها، وقال تعالى وقد ذكر البحرين الشروب والمالح وما للناس فيهما من عموم المصالح فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)(٤).

ومن أمعن التفكر في هذه الآيات، عرف ما جعل الله في البحر من ضروب المنافع وأشتات المصالح، وهو الآية الكبرى لمن عرف عميم نفعه وعظيم قدرة الله في تسخيره وجليل صنعه.

والبحر تختلف أحواله وأحوال الراكب عليه، فيكون مرةً هاديًا مطاوعًا ومرةً هائجًا ممتنعًا، ومرةً موافقًا ممكنًا، فإذا كان هاديًا مطاوعًا وهو أجود أحواله وأحسن أَوْصَافِهِ، ولا يكون ذلك غالبًا إلا في الفصل المناسب والريح الموافق، وذلك الوقت يتصرف راكبه كيف أراد ويحط على حسب اختياره، وإذا كان هكذا، كان أسهل من البر


(١) الإسراء: ٧٠.
(٢) الجاثية: ١٢.
(٣) النحل: ١٤ و ١٥.
(٤) فاطر: ١٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>