للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأقل مشقّة وأخف كلفة، وأجمع شملًا للمسافر ومتاعِهِ وأتباعه وغلمانه وسائر ما يكون معه وهو مقيم سائر وحال ظاعِنٌ، كأنه في وسط داره على فراشه، متمرفقًا على وسادته بين أهله وأولاده وغلمانِهِ، ومعه زاده وماؤه، وطعامه يطبخ له بكرةً وعشاء، يُغدى عليه ويُراح بما يُريد، ولا يتأخر له مأكل ولا مشرب ولا نوم عن وقته المعتاد، وعادته المألوفة، هذا كله والريح مطاوع، والبحر متابع والأمواج قد ألْقَتْ ما فيها وتخلَّتْ، أو رَفَعَتْ سجوف غواديها وتجَلَّتْ، والبحر يلين متنه لراكبه، وينيل المسافر ما يُريد من السعي في مناكبه، وقد هدأ حتى كأنّه كفّ، واستقر حتى كأنه صف، ورق جوُّهُ فَبَرَزَ في غلائله، وقرَّ صحوُهُ فَعُرِف بلطف شمائله، وجرت الرياح بما تشتهي سَفُنه، وتنتهي معه كيفما امتدَّ رَسَنُه، وتطاوِعُه فلا تجاذبه ولا تلج في دفعه ولا يتخبط طائره الواقع ليتخلص من حبائل قَلْعِهِ، والسماء تماثل البحر في لون مائه، ويُنظر وجهها في مرآة صفائه، والسفن عليه قارّة لا تزول عمّا تَوَجَّهَتْ إِليه، ولا تزلُّ عما مَشَتْ في النهج القويم عليه. وركاب البحر قد نَدِموا على فائت أوقاتهم الذاهبة في البر وضياعها، لم ينعموا فيها بأهنأ مركب ومستقر، كما قال وقد استيقظ من منامه: «رأيتُ قومًا من أمتي يركبون ثبج هذا البحر كأنهم الملوك على الأسرة» فهم لسكون البحر في دوام راحة ومَسَرَّة، وموافقة باحَ لهم معها بما عنده وعَرَّفَهُم سِرَّه، لا يُمِلُّهم ما يُمل الراكب من التعب، ولا يضايقهم كور بجانبيه ولا رحل ذو ثلاث شُعب، وهم يقطعون أوقاتهم بأنواع كل مرآها جميل، وكل من رآها يرنحه الطرب إليها ويميل، فأما في الليل فهو أقل أوقاته لراكبه انبساطًا، وأكل لسيفِهِ المرهف انتضاء واختراطًا، فإنه يكون بين سمائين تَمَاثَلَتا بدرر الكواكب، وتقابلتا، هذه هُوَ إليها بالناظر ناظر، وهذه هو عليها بالمراكب راكب، فإن أجرى عليها القمر لجينه الذائب ودبَّ قتير شيبه في مفرق الليل وجرَّ على البحر الذوائب، فإنه يرى ما يفتن نظرًا، ويُحْسِنُ بعد كل عين أثرا، فأما إن نظر في السحر فعاين الليل وقد كف، والسيل الآتي بفوافع زَبَدِهِ وقَدْ خفَّ، والنسيم وقد هب طائره من وكره، والصبح وقد جال وهمًا في ضمير فجره، ثم اتبعه وقد طما الصباح، وطم جدوله وفاض على الأقاح، فوثَبَ مبادرًا إلى الليل فألقى مرطه وطاح، وذَهَب مباكرًا إلى الصبوح، وفي كلّ أفق له كأس راح، ثم استمر حتى تشرق الشمس وتستقر في البحر على عمودها المُغرق، فتمدّ شعاعًا على الشفق، فمنه المتوقد ومنه المحترق، ثم إذا ارتفع الضحى ودارتْ في موجه المضطرب كالرحى فَسَرَتْ في أقطار الأرض بعوثُهُ، وَفَسَّرت في دقائقه بحوثه، ثم إذا كان في وسط النهار، وقد مالَ عليه جُرفُ الشمس وانهار، والتقى الشعاع بالشعاع وامتد معه الباع بالباع،

<<  <  ج: ص:  >  >>