للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهذا ما علمناه مما يُعمل به في البحر الرومي وما هو منه.

فأما البحر الهندي: فإنني جهدتُ في استعلام ما يُعمل به فيه، فلم أقف عليه، ولا وفق لي فهم إليه، فلم أخبر منه برجْعِ نَفَس، ولا رجعت من شجرتها بخبرٍ ولا قَبَس.

ولقد حكى لي الشيخ الخطيب بهاء الدين بن سلامة فيما حدثني به من أخبار الهند.

قال: توقفت علينا الريح في بلد من بلاد الهند سماه وأنسيته. وقد نجلنا البضائع إلى المراكب، ولم يبق إلا السفر، فتضجرنا بالمقام، فقال لنا رجل هناك: أنا أبيعكم ريحًا تسافرون بها، فعجبنا من قوله، ثم بايعناه على الريح حتى اشتريناها منه، وإلى جانبنا تجار في مركب آخر، فقال لهم: وأنتم؟ قالوا: نحن ما نشتري شيئًا وبنوا على أنه إن صح قوله سافروا معنا إذ لا مُخصص لسفر مركب دون مركب معه في مرسى واحدٍ إِذا هبت الريح، وكان قصدهما واحدًا، وفَطَن الهندي لقصدهم فقال: كأنكم تظنون إنكم تسافرون بريحهم.

هذا ما يكون حتى تشتروا مثلهم، فأصروا على عدم الشراء، فقال لنا: إقلعوا أنتم وروحوا فأرخينا القلاع وهبت لنا ريح موافقة سرنا بها، فأرخى أولئك التجار قلاع ليسافروا، فلم تخرج مركبهم بهم وجهدوا كل الجهد فلم يقدروا ثم لما وصلنا إلى جهة قصدنا وقضينا منها مآربنا لحقنا أولئك التجار بعد أيام وأخبرونا أنهم لم يجدوا سبيلًا إلى السفر معنا وبقوا على ذلك مدةً حتى هبَّتْ ريح عامة سافرنا بها فيمن سافر.

الفصل الثالث: في ذكر نبذة من العجائب برًا وبحرًا مما نقله الثقات

حدثني الشريف علي الكربلائي، قال: أتيت بعض فُرَض (١) الصين، فأرست به سفينة لا يشك من رآها على بعد أنها مدينة فأتيت بحارتها فسألتهم عن قدر ما تحمل فقالوا: لا نعرف إلا أننا حملنا في هذه السفرة ثلاثة آلاف رجل وسبعين رجلًا غير النساء، منهم مائة وثلاثون تاجرًا والبقية/ قلّ أن يكون فيهم رجل وليس معه بضاعة. قال فَعَدَلتُ إلى التجار فسلَّمتُ عليهم وتعرَّفتُ بهم، ثم جمعني وأياهم أسواق المدينة فرأيتُ فيهم مَنْ تحرر بضاعته ثلاثمائة ألف دينار من الذهب العين وأقل وأكثر من هذه النسبة، ورأيت منهم رجلًا واحدًا أحرزت بضاعته ألف ألف دينار، ثم كنت أرى أتباع أولئك التجار وعبيدهم وغلمانهم، ما منهم رجلٌ إِلا يُفسّر بضاعة باسمه خاصةً له، وتحرز بضاعة الرجل منهم له ألف دينار وألفي دينار وثلاثة آلاف دينار وأقل وأكثر، إلا أنه لا يأخذ السلطان لأحدٍ منهم على ما دون ألف دينار. قال: فسألت ديوان البلد عما وَجَبَ عليهم للسلطان، فقالوا: نحو ثلاثين ألف ألف دينار، فعجبتُ، فقال لي رجل من أهل الديوان: أتعجب من هذا؟ فقلت: أوليس بموضعِهِ؟ فتضاحكوا ثم أقبلوا علي


(١) فرض: تعني هنا سواحل البحر.

<<  <  ج: ص:  >  >>