للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبدا كأنّه صفيحة صيقل أطبق عليها أخرى، وحديقة نوار أطلق عليها نهرًا، ثم إذا كان العصر، وقد جنح الأصيل، وطرح شُعاع شمْسِهِ على مرآة الصيقل، وقد هم النهار وما ذهب، وخالط لازورد سمائه ذائبُ ذَهَبْ، ثم إذا آذن النهار بذهاب وأذن مؤذن المساء بالاقتراب، ترى الشمس كيف تُعلَّل، وكيف تمتد لتجذب إلى الغروب بأمراس كتان، إلى صم جندل، فإنه في تقلّبات هذه الأحوال، وتنقلات أحوالها من حال إلى حال، يكحل طرفَهُ بالعَجَب، ويُنحل أيامه شكرًا الله وَجَبْ، وهو لهذا كله تراه عيانًا إذا تطلع في فرنده الصقيل، وتُحققه بالنظر لا بالدليل، وأكثر ما يكون الأمر على هذا إذا كان في البر الشامي، وما هو منه في أواخر الربيع إلى أوائل الخريف، فأما في البحر الهندي، وما هو منه فبالعكس، وأما إذا كان هائجًا ممتنعًا فإنه يكون بخلاف هذه الأوصاف، وأهون أموره يُخاف، ولا يكون ذلك غالبًا إلا في الفصل المنافي والريح المباين، على أن البحر إلى هذا الحال في كل وقتٍ أقرب مما سواه، والعطب فيه أكثر من السلامة، وراكبه في هذا الوقت ليس بمحمود وإن سلم، لا يهدأ فيه راكب ولا يحمده مسافر، ولا يسلكه إِلا مُغَرَّر، ولا يركب فيه إلا مخاطر، وقد عرض راكبه نفسه وأهله وماله ومن معه وما معه للهلاك، فإن سلم وقَلَّ أنْ يَسْلَم كان عُرضةً لمقاساة الشدائد، ورؤية الأهوال، ولا يبلغ مراده على ما في خاطرِهِ، ويكون طوع الريح يؤديه كيف اراد، ويلعب به كيف شاء، يرى الموت في كل وحي طرفٍ وإيماء يد، ألقى بيدِهِ إلى التهلكة، وسلّم نفسه إلى العدوّ المهلك والسبع المغتال، يقاسي البحر وقد تنكر وجهه العبوس، وتغيّر وتبدّل نعيمه ببوس، واضطربت أمواجه، واقتربت أمداده، وضاقت في مجاله الفسيح فجاجه، واكفهر وبَسَر واسبطر، ورَدَّ خوفًا أن يدركه تبصر وماج وهدر ورغا، وماد وقدر وبغى، ومال وقهَرَ وطغى، وصال وكثر ونال ما ابتغى، وهال هديره وطال هريره، وقَدَحت ناره وهب زمهريره، وكلَحَتْ وجوه مذاهبه، وشقشقت قراقيره، وجاءت أفواجه تترامى على الطرق وأمواجه تتسامى في الأفق، وزماجره تقتلع كلّ مرسية حصينة، وكواسره أسدًا فاغرة تبتلع كل سفينة، ونظر بطرفه إلى السماء، وتشاوس وخطر بطرفه إلى السحاب، وشَمَسَ أو تشامس وسلك بموجه مسلكًا صعبًا، وملك فجار، وأخذ كل سفينة غصبا، وهلك راكبه فتارة يكون في قراره، وتارةً يثب إلى السماء وثبا، وأقبلَتْ دُفَعُهُ لا تُدْفَع، ودُفَقُه لا يغيض لها منبع، وراكبه مثله كلاهما ترعد فرائصه، وتبعد نقائصه، ومراكبه تصطدم كأنها فحول، وتصطلم كأنها فيول، قد برزت مداريها كأنها نصول وبرزت صواريها كأنّها أنياب غول، قد أصبحت لراكبها ردى في كل مذهب، وصدى أينما تذهب به الريح يذهب.

<<  <  ج: ص:  >  >>