فأما في الليل وقد غشي البحر بمثله ظلامًا، وخشي أن يُضيء له البرق فسد أنقابه عليها الغمام لثامًا، وقد خَفَق الريح العقيم في يمه، ونَفَثَ فألقى نافِثَ سُمِّه، فزمجر وتطاير زبده، وجرجر وارتعدت مفاصله ويده. فولول الجو وتكدر صفيحه وهول. وتغير على راكب البحر ريحه، واعتم الغمام وجادت (١) مجاديحه، وأظلم الأفق وطفت سُرُجُه وخَبَتْ مصابيحه.
ثم إذا قيل: ها قد طلع الفجر مَطَلَ بضوئه، وهَطَلَ في غدير الصباح بنوئه، ثم يُصْبِحُ كأنه أمسى، ويُقلعُ غراب الليل كأنه أرسى، فإذا طلع النهار وأوقد في تلك الظلمات مصباحه، وعلم أن الليل قد ذَهَبَ أوان رواحه، ظَهَرَ هول البحر وبان، وبَرَزَ ما كان يتوهّمه بالظنّ إلى ما يراه بالعيان، ثم تحيّن وقت الظهر والأمر لا يزداد إلا شدة، والبحر لا يَنْفَكُ هو وراكبُهُ في رِعْدَةٍ، لا تخرج به غادة الشمس من خدرها ولا تتبرّج، ولا تتحرّى في إثم من تقتل ولا تتحرّج، والريح تخفق قوادِمه، وتخف قوائمه، ويكف الموج بعضه ببعض، وتتراكض خيوله وتتقاطع صوارمه، حتى إِذا أَذَّنَ مؤَذِّن العصر وأوقدت السّرُج، وقيل قد حان وقت الليل وآن أن يتلاقى مرج البحرين، البحر المزبد ودفع السيل، أَخَذَ أهل السفينة في التأهب لمقاساة الهول، ومعاناة أمثال ما تَقَدَّمَ فيه القول، فلا يكون أهول من مرآه. ولا أهون من الموت على من يراه، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، ورأوا البر قريبًا ورآهم بعيدًا، وقد تقدم القول: إن هذا هو حكم غالبِ أوقات راكب البحر، وقد قدمنا ذكر وقت اضطرابه، وهو في جنبي الأرض بحسب اختلاف الريح في كلِّ منهما وانقلابه، وأما إذا كان موافقًا ممكنًا وتلك أوسط حالاته، وذلك غالبًا، إذا كان أحد الشيئين مناسبًا والآخر منافيًا أما الفصل أو الريح وهذه يحكم فيها الأغلب، فأما على التساوي فأجودهما أن يكون الريح موافقة، وَدَعْ لا يكون الفصل مناسبًا وفي ذلك تظهر جودة السفينة وطول يد الرائس والبحرية العاملين عليها، فإن الرائس يُسايس البحر ويُداريه، ويُساير موكبه ويأخذ الماء من مجاريه حتى يروّض نافِرَه ويقود شكيمته ويخوض زاخره، ويسلّ سخيمته وهو يلاين سائره في كل إبّان ويلائم كاسِرَه ويُراضي ساخطه الغضبان، فإن اشتدَّ به الريح، أرخى القلوع ودارى، أو هاج عليه البحر جرى معه وجارى، يعمل في
(١) الأصل: (جات). تضمين القول امرئ القيس: [من الطويل] كأن الثريا علقت في مصامها … بأمراس كتان إلى صُمٌ جَنْدَلِ