كل وقت بما ظهر له واستبان، ويعلم من أموره ما يتقنها ويَعْمَلُها بحسبان، فتجول سوابق سفائنه، بَلْ سوائر مدائنه، وكأنّها في خَلَلِ الأمواج عقارب دبت على زجاج، وتَنْبَثُ في البحر شرقًا وغربًا، وتجري دهمًا وشهبًا، وتجول يمينًا وشمالًا، وتُقلع طيورًا، وتحط جبالًا، وتسير كأنها في السماء نجوم، وتسح كأنها في الماء غيوم، ويقيد الموج خطوها كأنها تحجل، ويُطلق الريح عنانها فتطير بها أيد سراع وأرجل، والعارف النحرير يمشي معه متابعًا حتى يستقيم، ومخادعًا حتى تنقلب الريح وتعود له وهي نسيم، فحينئذ تقتاد زمامه مطاوعًا، ويعتاد لزامه فلا يزال له إلى كل قصد متابعًا، ويُصبح ويمسي والبحر تخطه المراكب كأنه كتاب، والريح تحطه للراكب كانه عتاب، ويكون الراكب في أحواله حين يضطرب ويستقيم، وتُصرّفه ريح صبًا أو عقيم، تارة وتارةً ومرةً يتشاغَلُ بهمه ومرّةً يغتر بموادعة البحر له، فطورًا يغني وطورًا ينوح. وآونةً يؤمل الربح وآوِنَةً يقنع من رأس ماله بسلامة الرّوح، فهذه أحوال راكب البحر في هذه الأحوال الثلاثة ولا رابع لها.
فأما حالاته العجيبة، ومخلوقاته الغريبة، فشيء لا تكيفه العقول ولا تَسَعُهُ الألباب. ولا يدخل في حدّ ولا يُحْصَرُ في عَدّولا ينتهي إلى كله، ولا يُحاط ببعضه، وفي المثل السائر: حدّث عن البحر ولا حَرَج، وقد أكثر أرباب التصنيف في هذا الباب، وبالغ أهل التأليف في هذا الطريق، واختلط القول واختلف الحديث، وكان رأيي أن أسُدَّ هذا الباب وأعرض عن هذا القصد، ثم دعاني الاحتفال بأمر هذا العجب العجيب، والعُباب الزاخر إلى إثبات شيء مما سمعته بأذني من الثقات. وأنا أذكرُهُ إِنْ شاء الله موجزًا فيه ولا أعرّج على ما تضمنته كتب العجائب، ولا أعرض بما يُحكى في ملفّفات الصحائف لعدم الوقوف فيه على حقيقة والوثوق منه بالعلم اليقين والخبر الصحيح. اللهم إلا ما ورد من حديث العنبر الذي رُوي من حديث الزبير عن جابر. قال: بعثنا (١) رسول الله ﷺ، وأمر علينا أبا عبيدة نتلقّى عيرًا لقريش (٢)، وتزوّدنا جرابًا من تمر لم نَجِد غيره، فكان أبو عبيدة يُعطينا تمرةً تمرة. قال فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا
(١) تلك سرية أبي عبيدة عامر بن الجراح إلى سيف البحر سنة ٨ هـ. وقد أصابتهم مجاعة حتى أكلوا الخبط، فقرحت أشداقهم حتى ألقى البحر إليهم حوتًا فأكلوا منه وتزوّدوا، فسميت هذه السرية سرية الخبط، انظر: أنساب الأشراف ١/ ٣٨١ سيرة ابن هشام ٤/ ٢٠٥ طبقات ابن سعد ح ٢/ ق ١/ ص ٩٥. (٢) في الطبقات: انها لحي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر.