أحيانًا فيقال حينئذ للثلاثة أشراط، وعند طلوعها مع الشمس يعتدل الليل والنهار، ويكون أول فصل الربيع. قال ساجع العرب: إذا طلع الشرطان استوى الزمان، واخضرت الأوطان، وتهادت الجيران (١)، واعلم أن الشرطين كان في رأس الحمل وقت الرصد الأول قبل ابرحس، وهو الآن في الجزء السادس والعشرين من الحمل، فلا يصح أن يكون مع طلوعها مع الشمس اعتدال الليل والنهار، وإنما كان ذلك قديمًا، فأما الآن فيكون طلوع الفرع المؤخر مع الشمس، كما كان الشرطين قديمًا.
ثم البطين (٢)، وهو ثلاثة كواكب خفيّة كأنها أثافٍ ويقال: إنها بطن الحمل، ثم الثريا، ويقال: إنها إلية الحمل، وهي أشهر المنازل، وذكر العرب لها أكثر من ذِكْرِهم لغيرها، وجاءت مصغرة لاجتماعها، ولم يتكلّم بها إلا كذلك كما قيل حميا الكأس، وأصلها من الثروة، وهي كثرة العدد وقيل أنها ستة أنجم ظاهرة في خللها نُجوم كثيرة خفية، والصحيح أنها سبعة كواكب، قال الشاعر:[من الطويل]
إذا ما الثريا عارضت أو توسطت … يراها الحديد العين سبعة أنجم
ويسمونها نجمًا. قال الراعي، وذكر امرأةً أضافها:[من الطويل]
فباتت تعد النجم في مستحيرة … سريع بأيدي الأكلين جُمُودها (٣)
فقوله تعد النجم دليل على جمع؛ لأن العدد لا يقع إلا على ذلك، ومستحيرة خفية، قد تحيّر فيها. واعلم أنه إذا أطلق النجم فالمراد به الثريا عند العرب وكثيرًا ما يشبهونها، فَمِنْ أحسن ما قيل في ذلك قول امرئ القيس:[من الطويل]
إذا ما الثريا في السماء تعرّضت … تعرّض أثناء الوشاح المفصل (٤)
أراد بتعرض الثريا وقت مغيبها، فإنها إذا طلعت تستقبل الناظر إليها، وإذا غربت تحرفت جانحة كتحرف ثني الوشاح إذا أُلقي، والوشاح فيه خرز منظوم قد جمع طرفاه، فأسفله أوسع من أعلاه كالثريا. وقال ابن الزبير الأسدي (٥): [من الطويل]
(١) رواه الدينوري في الأنواء ص ٢٢ وعنه في المخصص ٩/ ١٦ والأزمنة للمرزوقي ٢/ ١٨٤ وفي بعضها اختلاف يسير. (٢) انظر عنه: الأنواء ص ٢٤. (٣) راجع الأنواء ص ٢٧، والمعاني الكبير لابن قتيبة ص ٣٧٥، ولسان العرب (نجم). (٤) ديوان امرئ القيس ص ١٤. (٥) عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي، توفي أيام عبد الملك بن مروان. انظر الأغاني ١٣/ ٣٣ والخزانة ١/ ٢٤٥ والبيت في ديوانه (تحقيق عبد الله الجبوري ص).