فهذا بيان مجموع الكواكب الثابتة المذكورة بالرصد على سبيل الإجمال لكي يحصل الإحاطة بعلمها كذلك، ولو رمنا تفصيلها لطال القول في ذلك، وكنا نخرج عما نحن بصدده.
ولنرجع الآن فنقول: إن هذه الكواكب إما الشمالية منها فإنه يمكن أن يخفى كثير منها على من توغل في جهة الجنوب، كما أنه ممكن أن يخفى كثير من الجنوبية على من توغل في جهة الشمال، وأما الكواكب التي على المنطقة، ومنها ظاهرة في جهتي الشمال والجنوب لا يخفى عن قوم ببقعة من الأرض البتة، فمن أجل ذلك راعينا الكواكب الواقعة عليها، ثم إنَّه لما كانت التي على المنطقة كثيرة منها مشاهير وغير مشاهير، آثرنا ذكر المشاهير على غيرها ليكون ذلك أوفق في البيان، والمشاهير هي التي تُدعى منازل القمر، وهي التي يكون القمر كل ليلة بمنزلة منها، وهي ثمانية وعشرون منزلة، نذكرها أولًا فأولًا، وهذه المنازل هي التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ (١) فإن العدقَ إِذا قَدُمَ رَقَّ وانقوس، يشبه القمر به إذا انتهى من منزلة مستهلة إلى ثمانية وعشرين، أعني قريبًا من استتاره، فإنه يصير رقيقًا مقوّسًا كالعرجون القديم.
اعلم أن المنازل قسمان، شمالية وجنوبية، أربعة عشر منها شمالية، وأربعة عشر جنوبية، فأوّل المنازل الشمالية: الشُّرَطان (٢)، وهما كوكبان، هما قرنا الحمل، ويُسمّيان النطح والناطح، وبينهما رأي العين قاب قوس إذا صارا في كبد السماء، وكل مقدار نذكره بين كوكبين، فإِنما نعني به إذا كانا في وسط السماء، والكواكب تتدانى في وسط السماء، وتباعد في الأفق في رأي العين، وأحد الشرطين في ناحية الشمال، والآخر من ناحية الجنوب، وإلى جانب الشمالي كوكب صغير يُعدّ معها