للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعدت بوصلي العاشقين تعطفًا … فلم يثقوا واسترهنوا قوس حاجبي

وسافر مرةً حتى إذا كان بعيون القصب، وهو مكان يغسل المسافر به قشف النصب، ويجلو صدأ الوصب، لأنه دون حمص حتى لا يشط عن جيرتها، ولا يبعد عن شط بحيرتها، في صحراء من الأرض بين جبال انفرجت عنها أذيالها وأرجت في مدانها صباها وشمالها، سجن القصب الأخضر ما فيها، وجرت على ذهب ترابها الأحمر فضة سواقيها، فهيج له مرآها أسى وتذكارًا، وذكره رياها أوطانًا وأوطارا. فأطر به في عين القصب التشبيب، وعاوده ما عاود امرأ القيس من ذكرى منزل وحبيب، فأغضت أماقيه دموعه الحرّى، وأغرت ضلوعه بأن تتوقد جمرًا، فجذب القلم والدواة وكتب ما لا ألم به سواه، وهو:

كتبت لكم من أعين القصب التي لها … من معانيكم من نفسها طرب

فإن لذ لي التشبيب فيها بذكركم … فكم أطرب التشبيب من أعين القصب

وسافروا سفرةً طالت وغليت عليه عوادي مدتها واستطالت، فما طول بفراقه سهده، وأخذ منه قلبه وما ردّه، تململ بعده تململ العليل، وسقم سقام صب لا يشفيه في صباح صبا ولا بليل بليل. فلما أوهن جلده النحول، واتفق أنه توجه إلى جهته رسول، كتب إليه يقول:

إن شئت تنظرني وتنظر حالتي … قابل إذا هب النسيم قبولا (١)

لتراه (٢) مثلي رقةً ولطافةً … ولأجل قلبلك لا أقول عليلا

فهو الرسول إليك مني ليتني … كنت اتخذت مع الرسول سبيلا (٣)

ومنه قوله:

لا نقل الروض أحاديثُه … عن كل نمام غدت خافيه

إنه ينقل أخباره … إلى عين عنده خافيه

ومنه قوله في شملة (٤):

ومشمولة رقت وراقت فأصبحت … على الشرب تزهي حين تهدي إلى الكاس

معتقةٌ (٥) ما شمستْ بعد عصرها لآثم … وكم فيها منافع للناس

ومنه قوله يهنئ الظاهر بفتح عكار ويغالط بادبها عكا في الهجاء يزيد عليها في


(١) الأبيات في عيون التواريخ (٦٨٨ - ٦٩٩ هـ) ص ١٤٥ وفوات الوفيات ٢/ ١٨٨.
(٢) في عيون التواريخ: تلقاه.
(٣) في الفوات: النسيم رسولا.
(٤) البيتان في عيون التواريخ: ص ١٤٦.
(٥) في عيون التواريخ: معتقة فأشمست.

<<  <  ج: ص:  >  >>