للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

منبر خطيب. إذ كان ذلك هو المهم المقدم على كل مهم، والنور الساطع الذي كم أراد الأعداء إطفاؤه، ويأبى الله إلا أن يتمّ، ولما هيأ الله فتوح حصن الأكراد الذي كان حق الإسلام المغصوب، ومتاعه المنهوب، ومفقوده المندوب، وفريده المنسوب، وقد اقتلعناها من يد الكفر وعيونهم باكية، وقلوبهم متحسّرة، وألسنتهم شاكية، وسيوفهم لا تجيب صداها إذا جاوبت الأصداء المحاكية، رأينا أن نجعل مشرع الشرع الشريف بها رويا، ووعد الحق بها وفيا، وأن يبدل الكفر بالإيمان، فنختار للصلاة بها ما اختاروه لصلواتهم، من بقعة، وأن نجعل بها عوض موسم الأحد موسم الجمعة، وأن تكون كنيستهم جامعًا بشمل الهدى بعد الضلال، وبيتًا من بيوت الله التي آذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال.

ومنه قوله في التعزية بأخوين: إنهما لمصرعان قد صرعا الأمل، ورز آن ما للفؤاد بواحد منهما قبل، ومصيبتان ما انقضت واحدة منهما حتى أعقبتهما الأخرى، وثكلان ما منهما إلا الطامة الكبرى، فما عسى أن يقول المعزي بهذين الفقيدين، وماذا يقول المسلّي عن هذين الوحيدين؟ بم تبطش السيادة إذا فقدت اليدين، وبم تقطع السيوف إذا عدمت الحدين، أما يكفي كسوف الشمس حتى تلا بخسوف القمر، ولا ذهاب السمع حتى يشفع بذهاب البصر.

ولا نضوب البحر حتى عقب بنضوب النهر، هيهات، لقد تنوعت المصائب وتناوبت النوائب، وقاربت الرزايا ما بين الأجلين، وقارنت ما بين الخجلين، وجمعت ما بين الوجلين، لقد تجانست الحبلات حتى في الممات، وتراخت الأمنيات حتى في المنيات، وإنها لحسرة محكمة الأسباب، وموعظة تسفر الألباب، ومسألة ما أقرب منها الجواب.

ومن نظمه، مما أجاد فيه من قوله المبدع وأخذ بكلّ ثنية ومطلع، قوله في مليح حلق حاجبه وأزاله، وكشط من سمائه، هلاله، كأنما خاف أن يمتد منه على ديباجة خده وشي العذار المرقوم، أو يرق العاشق ويقدم قصة مظلوم، وهو:

وقاتل الألحاظ كم من مهجةٍ … جريحةٍ من سيفها القاضب

أماط عن مقلته حاجبًا … وقال للعائب والعاتب

لحظي بتكليم قلوب الورى … أصبح يستغني عن الحاجب

فسمع بها زين الدين بن عبيد الله وكان رفيقه من حاذى في النظم لا يلبث أن يفوقه، فأما النثر فإنه كان لا يعرف طريقه، فقال:

بدا لي في حلق الحواجب فتنةً … فقلت بعقل ذاهب فيه ذاهب

حبيبي بحق الله قل لي ما الذي … دعاك إلى هذا فقال مجاوبي

<<  <  ج: ص:  >  >>