للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لقِتالِ يستسْهلُها من طاوِح، ويستقرُّ منها من وُثب. فنصبْنا عليها مناجيق تعوَّدت اقتلاع القِلاع وتملُّك الممالِك. وألِفت تلين معاركُها حتى صارت لا تجد كلفة في ذلك، فلما رآها الحِصنُ المذكور، تشوَّف استفتاحَها وحَنّ، وتحقَّق هِلالَ أهِلَّة، وكم أهلكْنا قبلهم من قرن. فلما رأى من فيه تشديدَ عزمِنا المُبِيد، سألوا وهم الألمان تخفيف هذا التشديد، فلم يبق إلا من أسْلم نفسه وسلِم، وسكت لما رأى أن غيره هلك لما تكلَّم، واشتدت بفتوحه دواعي الأعداء على الأعداء، وامتدت به إلى عكا وأهلها مواد الأوْداء، وفُجِعت منه نجم قرنها فلو أنها لا يؤخذ لها بحق إذ أخذ للجماء من القرناء. وكِتابنا هذا يبشِّره بما وهب الله الأمة من هذا الظفر الذي أصبحت الفرنج اللمانية لا تنجد الساحلية ولا تكاثرها ولا تميرها ولا تؤامرها ولا تقيم معها في هذه البلاد، ولا تسايرها. وإذا عوتبت قالت: راح الذي هو أول المحنة من هذه البلاد وآخرها، فيأخذ حظه من هذه البشرى الحسنة للارتحال، وهذه التهنئة الفسيحة المجال.

ومنه قوله:

ونصبْنا ثلاث مناجيق كبارًا، ساءت ظنونهم بالتثليث، وعدة مجانيق صغارًا أعجلتهم بسوقها الحثيث، وما استتم قصها حتى أدبرت سعادتهم وتولت، وألقت مجانيقهم ما فيها من الأخشاب وتخلّت، وما أطلقت حجرا من حبالها بل طليعة من حبالها، وصارت سهامها أذنابا، على رؤوسها شائلة، وصناديقها المقفلة قافلة، وأصابعها تشير إلى حجارة مجانيقها قائلة: هلم إلينا، ولكم من العمائر والأعمار ما خلفنا وما بين أيدينا ما زلنا نحاصر أهل هذا الحصن المذكور، حتى زال مكرهم، ونصابرهم حتى عدم صبرهم، ونزحف إليهم زحفًا لا يتخلله فرجة لطانس ولا فجوة لقرن مهارس حتى طلع علمنا الأصغر وكبر في أعين المسلمين فقال بمكين الله، الله أكبر الله أكبر، وأخذت الباشورة بقتال تلك المضارب وأبلى التجارب، وأظهر الساري في الليالي النقوب وأبدى السارب، وصارت لنا هذه الباشورة حصنًا قبالة حصنهم. تعبوا فيه لراحتنا، واعتقدوا أنها تحمي ساحتهم فكانت حامية لساحتنا، ثم استأنفنا نقوبًا غير تلك النقوب في تلك الأسوار، وكوّرنا من سدد الحجارة في نصف الحجارة الليل على النهار وأسأنا مجاورة الحصن بتملك هذه الباشورة وما من عادتنا إلا حسن الجوار.

ومنه قوله:

وبعد، فإن الله قد من علينا بالنصر المعجل والفتح القريب، وهيأنا لإخراس لسان الناقوس، وشل يدي الصليب، جعلنا لا نقدم مهمًا على رفع مرتبة شرع ونصب

<<  <  ج: ص:  >  >>