أيها الوالي اتق عثرات الزمان، واخش تسلط الأيام ولوعة الدهر. واعلم أن للأعمال جزاءً، فاتق العواقب؛ فإن لها غدرات، فكن منها على حذر؛ والأقدار مغيبات فاستعد لها، والزمان منقلب فاحذر دولته لئيم الكرة فخف سطوته، سريع الغرة فلا تأمن دولته. واعلم أن من لم يداو نفسه من سقام الآثام في أيام حياته فما أبعده من الشفاء في دار لا دوام لها، ومن أذل حواسه واستعبدها فيما تقدم من خير، بان فضله وظهر نبله، ومن لم يضبط نفسه وهي واحدة، لم يضبط حواسه وهي خمس. فإذا لم يضبط حواسه مع قتلها ونفسه مع ذلتها، صعب عليه ضبط الأعوان مع كثرتهم وخشونة جانبهم، وكان عامة الرعية في أقاصي البلاد وأطراف المملكة أبعد من الضبط.
ومنهم:
[٦٨] منكة الهندي (١)
طبيب توقى به الأجسام، وتوفى بسببه خير الأقسام، لو عاد الهرم، لأعاد عليه ثوب شبابه، وبَدَّل كفن المشيب، بجلبابه، فأقر الأرواح في أجسادها، وعاد بالصلاح على فسادها، فقرت استقرارًا، وأزالت ضرارًا، وصالحت الأبدان فلم تعد إلى منافرتها، ولم تبعد من مضافرتها فأماطت عقابيل السَّقَم، وجذبت بأعقاب الداء العياء وقد التقم، فوجدت به الصحة وقد عزَّ لقياها، وطالت المدة وقد يئس من بقياها.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان عالمًا بصناعة الطب، حسن المعالجة، لطيف التدبير، فيلسوفًا، من المشار إليهم في العلم، متقنًا للغة الهند ولغة الفرس، وهو الذي نقل كتاب «شاناق» في السموم إلى الفارسية، وكان في زمان الرشيد، وأتى العراق في أيامه، ثم عرف العربية، فكان ينقل إليها.
ومن أخبار الخلفاء:
ان الرشيد قد اعتل علة صعبة، فلم يجد فيها طب الأطباء. فقال له أبو عمر الأعجمي: يا أمير المؤمنين بالهند طبيب يقال له منكة، وهو أوحد عبادهم وفلاسفتهم، فلو بعثت إليه لعل الله يهبك الشفاء على يده فجهز من وصله بصلة تعينه على سفره وحمله، فعالجه فبرئ. فأجرى عليه رزقًا واسعًا وأموالًا كافية. ثم بينما منكه هو مار في الخلد إذا هو برجل قد بسط كساءه وألقى عليه عقاقير كثيرة، وقام يصف دواء معجونًا،