«لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» متفق عليه (١)، وهذا النهي الوارد نهي كراهة لا نهي تحريم، لأنه لو كان حراما لما مدح الموفين به، لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه، ولأن النذر لو كان مستحبا لفعله النبي ﷺ وأفاضل أصحابه رضوان الله عليهم (٢).
قال:(ومن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ولفظ المصنف هو نص حديث عائشة ﵂ المتقدم قريبا.
وهو على قسمين: نذر طاعة يجب الوفاء به، ونذر معصية: لا يجب الوفاء به ومع عدم وجوب الوفاء به فلا كفارة عليه على مذهب الجمهور (٣) وإليه أشار بقوله: (ولا شيء عليه) لأنه نذر غير منعقد فلم يوجب شيئا كاليمين غير المنعقدة لحديث عائشة المذكور، وحديث ابن عباس ﵄ قال:«بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم». فقال النبي ﷺ:«مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه»(٤)، قال مالك (٥): ولم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفارة، وقد أمره أن يتم ما كان الله طاعة، ويترك ما كان الله معصية اه.
(ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق) رقبة (عبد غيره) كره، و (لم يلزمه شيء) لحديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد»(٦)، فلا يلزمه صدقة ولا عتق ما لم
(١) انظر: الفتح (١١/ ٥٨٤)، والاستذكار (٥/ ١٦٣)، والمغني لابن قدامة (١٣/ ٦٢١)، ولابن دقيق كلام دقيق في إحكام الأحكام (الحديث: ٣٦٩: إن النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل). (٢) بداية المجتهد (٣٤٠/ ١). (٣) رواه البخاري (٦٢١٠). (٤) الاستذكار (١٨٣/ ٥). (٥) مسلم (٤٢٥٥). (٦) الذخيرة للقرافي (٩٥/ ٤).