فلما توجه إلى حماه هرب سيف من وجهه، وقصد نحو الفرات، فتبعه الأمير يشبك إلى الفرات، وأخذ صحبته نائب الشام قانصوه اليحياوي، ونائب حلب أزدمر، ونائب حماه، وجماعة من النواب.
ثم إن الأمير يشبك عدى من بحر الفرات، ووصل إلى مدينة الرها، فلما رأى الأمير يشبك الدوادار كثرة من معه من العساكر والنواب، حدثته نفسه بأن يمشي على بلاد حسن بك الطويل ويملكها، فأن حسن الطويل كان قد مات، وتولى ابنه يعقوب عوضه، فحسن بعض الأعاجم إلى الأمير يشبك بأن يزحف على مملكة حسن الطويل، ويأخذها من ابنه يعقوب، فطمعت أمال الأمير يشبك بأخذ مملكة حسن الطويل ويصير ملك العراقين ويترك مصر فأنه كان وقع بينه وبين مماليك السلطان الأجلاب بسبب الأمير جانم قرابة السلطان لما مات على حين غفلة، فأشيع بين الناس أن الأمير يشبك أشغله على ما قيل، فوقع بينه وبين المماليك السلطانية، وأرادوا قتله.
فلما خرج إلى حماه ووصل إلى الرها، فحاصر قلعة الرها أشد المحاصرة، وكان نائب الرها شخصا (١) يسمى بيان در (٢) من أمراء حسن الطويل، فلما حاصر قلعة الرها، فأرسل بيان در يسأل الأمير يشبك من الصلح، ولم يوافق على ذلك، وطمعت أماله بأخذ مملكة حسن الطويل، فكان كما قيل في المعنى:
أتطمع من ليلي بوصل وإنما … تقطع أعناق الرجال المطامع (٣)
فلما لم يوافق الأمير يشبك على الصلح، جمع بيان در العساكر، واتقع مع الأمير يشبك وقعة عظيمة بالرها، فلم تكن إلا ساعة يسيرة، وقد انكسر الأمير يشبك، ومن معه من الأمراء، وهما: الأمير برسباي قرا، والأمير تاني بك قرا، وأسر قانصوه اليحياوي نائب الشام، ونائب حلب أزدمر، ونائب حماه، وجميع العساكر السلطاني شيء قتل، وشيء أسر، كأنما وقعت عليهم شبكة، ولم ينج منهم أحد، ونهبوا جميع بركهم، وأموالهم.
فلما أسر بيان در النواب، والأمير يشبك، فأقام عنده الأمير يشبك أياما، ثم إنه قطع رأسه، وأرسلها إلى يعقوب بن حسن بك، وأرسل إليه النواب الذي (٤) أسرهم وهم في قيود.
(١) في الأصل "شخضا". (٢) في بدائع الزهور ٣/ ١٧١ وجواهر السلوك ٣٦٤: "باينذر". (٣) بحر الطويل؛ والبيت للقاضي شهاب الدين محمود. (خزانة الأدب ٢/ ٣١٢). (٤) كذا في الأصل، والصواب "الذين".