وفي هذه السنة: في شهر شعبان ختن القاضي كاتب السر أولاده، وكان المهم في بيته الذي في بركة الرطلي، وكان الجمجمة ابن عثمان حاضرا ذلك، فأمر القاضي كاتب السر بوقده في بيوت البركة، فوقدوا وقدة عظيمة، وحرق حراقة نفط ثلاثة أيام، واجتمع في البركة في هذه الأيام من المراكب، والخلق ما لا يحصى، وكانت فيها ليالي مشهودة لم يسمع بمثلها (١) فيما تقدم من الوقائع، وفي ذلك يقول الشيخ شمس الدين القادري:
يا حسنها بركة بالحسن ما برحت … تزهو على سائر الخلجان والبرك (٢)
فكان لما تباها نور بهجتها (٥) … مثل الشموس ترى (٦) في دارة الفلك
وعندما نصبت أشراك بهجتها … صادت طيور قلوب الناس بالشرك (٧)
ثم إن الجمجمة ابن عثمان أقام بعد حجه مدة، وطلب من السلطان دستور ليمضي إلى بعض ملوك الفرنج، ويجمع جيشا من عساكره، ويحارب أخيه، فترك أولاده، وعياله، وأمه بالقاهرة، وسافر إلى بلاد الروم، ثم بعد مدة جاءت الأخبار بأن بعض ملوك الفرنج أسره، فأقام عنده إلى أن مات في بلاد الفرنج بعد مدة، وكان عنده رهج وخفة، وكان هذا من السلطان غاية الغلط الذي مكنه من الرواح.
وفي هذه السنة: جرد الأمير يشبك الدوادار إلى نحو حماه، بسبب سيف أمير عربان نعير، لما خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، فخرج إليه الأمير يشبك من القاهرة، وصحبته عسكر عظيم، نحو خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية، ومن الأمراء الأمير برسباي قرا حاجب الحجاب، والأمير تاني بك قرا أحد المقدمين الألوف، ومن الأمراء العشراوات جماعة كثيرة (٨).
(١) في الأصل "بملثها". (٢) في بدائع الزهور ٣/ ١٨٦: "طابت على بركة الرطلى ليلتنا * حتى تباهت على الخلجان والبرك". (٣) في بدائع الزهور ٣/ ١٨٧: "زهت وغدت". (٤) كذا في الأصل، والصواب "تضيء". (٥) في بدائع الزهور ٣/ ١٨٧: "تناهى حسن وقدتها". (٦) في بدائع الزهور ٣/ ١٨٧: "شموس الضحى". (٧) بحر البسيط، هذا البيت لم يرد في بدائع الزهور. (٨) الخبر في بدائع الزهور ٣/ ١٦٤: في أحداث سنة ٨٨٥ هـ.