للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

القضاة، وغيرهم ممن هو طالب للبغي والفساد، فتدلوا من السور، وتوجهوا إلى تمرلنك، وباتوا في مخيمه تلك الليلة.

ثم رجعوا إلى دمشق وعلى أيديهم مرسوم من تمرلنك فيه تسعة أسطر، تتضمن الأمان لأهل دمشق على أنفسهم، وأهاليهم خاصة، فقرئ ذلك المرسوم على منبر جامع بني أمية، ففرحت أهل دمشق بذلك، وفتحوا من أبواب البلد بابا واحدا، وهو الباب الصغير، فكان الأمر كما قيل:

لقد ضرني من كنت أرجو به نفعا … وقد ساءني أفعاله خلتها أفعى

إذا ما بدا لي ضاحكا زدت خيفة … وفي ضحك الأفعاء لا تأمن اللسعا (١)

ثم أقبل أمير من أمراء تمرلنك وجلس على ذلك الباب ليحفظه من التتار كي لا يقتحمون البلد فينهبونها.

وقيل: إن تمرلنك لما دخل إلى الشام زار قبر أم حبيبة إحدى أزواج رسول الله، وهو بظاهر الباب الصغير، فلما زاره قال: يا أهل دمشق مثل هذا القبر يكون بغير قبة؟ ثم قال: أنا ابني عليه قبة"، وذكروا عنه أيضا أنه كان في مجلسه كثيرا ما يذكر الله تعالى، ويستغفر من ذنوبه، وأن السبحة لا تزال في يده أبدا، فكان كما قال القائل في المعني:

قد بلينا بأمير … ظلم الناس وسبح

فهو كالجزار فيهم … يذكر الله ويذبح (٢)

فكانت أفعال تمرلنك كلها رياء، وزور، وخداع، حتى يبلغ قصده من الأمر، كما قيل: «وإيش ينفع الكوز فضة، وداخله قطران».

ثم إن ابن مفلح قرر مع تمرلنك بأن يجبي له من دمشق ألف ألف دينار، فشرع ابن مفلح في استخراج ذلك من أهل دمشق، فلما حبيت، وحملت بين يدي تمرلنك، فحنق ولم يرض بذلك، فتقرر الحال على أن يحمل إليه ألف تومان (٣)، والتومان عند التتار عشرة آلاف ألف دينار.

فرجع ابن مفلح إلى دمشق وقد تزايدت البلايا، وعظمت الرزايا، ففرض ابن مفلح على أهل دمشق الفرائض الثقيلة، منها: أجرة كل مسكن بدمشق ثلاثة


(١) بحر الطويل.
(٢) بحر مجزوء الرمل؛ ونسب ابن إياس البيتين للمعمار. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٦١١).
(٣) في جواهر السلوك ٢٩١: "يومار".

<<  <   >  >>