للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

من دمشق، فأنهم قصدوا بأن يحضروا إلى القاهرة، ويسلطنوا الأمير لاجين الجركسي؛ فلما بلغ الأمراء ذلك فقويوا على السلطان، وأخرجوه من دمشق بالغصب؛ هذا ما كان من أمر السلطان الملك الناصر فرج.

وأما ما كان من أمر دمشق وأهلها بعد خروج السلطان، منها: فأنه خرج في ليلة الجمعة في العشرين من جمادى الأول من السنة المذكورة فأصبح الناس في يوم السبت مائجين في بعضهم، وقد ركبوا على الأسوار، وتراموا مع عسكر تمرلنك بالنشاب، وصاروا يستحثون بعضهم بعضا على الجهاد، فكان بينهم وبين عسكر تمرلنك في ذلك اليوم وقعة عظيمة، حتى قيل: قتل من عسكر تمرلنك نحو ألفين إنسان (١)، وكانت ساعة تشيب فيها النواصي.

ثم في أثناء ذلك اليوم أرسل تمرلنك إلى أهل دمشق يطلب منهم شخص من عقلائهم حتى يكلمه في أمر الصلح، فلما أتى قاصد تمرلنك بهذه الرسالة تكلم مع أهل دمشق من تحت السور، فوقع الاختيار من أهل دمشق بأن يرسلوا إلى تمرلنك القاضي تقي الدين ابن مفلح الحنبلي، فأرخوه من أعلى سور المدينة بسرياق، فتوجه إلى عند تمرلنك، وغاب ساعة، ثم رجع، فأخبر بأن تمرلنك تلطف معه في القول، وقال له: "هذه بلد الأنبياء وقد أعتقتها لهم"، وذكر من لطائفه أشياء كثيرة، وجعل يخذل أهل البلد، ويحل عزائمهم عن قتال تمرلنك، ويملأ الأسماع بالتفنن (٢) في مدح تمرلنك، فاختلف أهل البلد فرقتين، ففرقة ترى ما رأه ابن مفلح من بذل الطاعة إلى تمرلنك، وفرقة ترى على ما هم عليه من المحاربة، وهم الأكثر من أهل البلد من الجم الغفير، فباتوا على ذلك تلك الليلة.

فلما أصبحوا غلب رأي ابن مفلح وأصحابه على تلك الطائفة المخالفة لذلك، وأن كل من خالفهم في ذلك يقتلوه، فكان كما يقال في الأمثال:

كذاك (٣) من يستنصح (٤) الأعادي … يردونه (٥) بالغش والفساد (٦)

ثم إن ابن مفلح قصد أن يفتح باب النصر الذي بدمشق، فمنعه نائب القلعة من ذلك، وهددهم بإحراق البلد؛ ثم إن ابن مفلح أخذ أعيان الناس من


(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٦١٠: "نحو الألف".
(٢) في الأصل بدون نقطة الباء.
(٣) في جواهر السلوك ٢٩٠: "لذلك".
(٤) في جواهر السلوك ٢٩٠: "سينصح".
(٥) في جواهر السلوك ٢٩٠: "ترد وبه".
(٦) بحر الرجز، ولم يرد في بدائع الزهور.

<<  <   >  >>