ولما كان يوم السبت خامس عشرين ربيع الأول حضر منكلي بغا دوادار بكلمش العلائي، وأخبر بأن العسكر الشامي والحلبي اتقعوا مع تمرلنك بظاهر حلب، وقد انكسروا بعد ما قد كان عسكر تمرلنك انكسر أولا، فطمعوا فيه، وساقوا خلفه إلى مكان بعيد، فخرج من خلف العسكر كمينا، فأطبق عليهم، فقتل منهم من قتل، وأسر من أسر، وكان العسكر الذي قد اجتمع من الشام، وحلب، وحماه، وطرابلس، وغير ذلك من العرب والتركمان، فكانوا نحو من ثلاثين ألف فارس، فانكسروا، ودخلوا إلى حلب، وأن تمرلنك ملك حلب، وهو بيحاصر في قلعة حلب، وأن جماعة من النواب ما يعلم لهم خبر.
فلما جاءت هذه الأخبار إلى الديار المصرية اضطربت الأحوال، فعين السلطان الأمير سودون من زاده وأينال حطب رأس نوبة ثاني فتوجها إلى حلب لكشف الأخبار على الهجن.
ثم جاء عقيب ذلك بأن تمرلنك بعد أن أخرب حلب، وجرى منه ما تقدم ذكره، توجه إلى حماه وحاصرها، فانكسر أهل حماه، فدخل تمرلنك إليها، وفعل فيها كما فعل في حلب من القتل والنهب.
ثم حضر أسنبغا المتوجه قبل تاريخه لخروج النواب، فأخبر بأن تمرلنك أخذ حلب، وملك قلعتها وهو متوجه إلى نحو الشام؛ فلما تحقق الأمراء هذه الأخبار، أشاروا على السلطان بأن يخرج مسرعا، ليتدارك البلاد الشامية، فبرز السلطان في ذلك اليوم إلى الريدانية، وماجت القاهرة واضطربت، فكان كما قيل:
كم لي أنبه منك مقلة نائم … لم يهد غير سروره الأحلام
فكأنه إذ جئته مستصرخا … طفل يحرك مهده فينام (١)
فلما كان يوم الأحد ثالث ربيع الآخر نزل السلطان الملك الناصر فرج من الأسطبل السلطاني، وجر طلبه حتى انتهى، وخرج بعده أطلاب الأمراء أولا بأول، ثم توجه السلطان إلى نحو الريدانية، وكان صحبته أمير المؤمنين المتوكل على الله، والقضاة الأربعة، وجماعة من المشايخ والصلحاء والعلماء، وسائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، فأقام في الريدانية إلى يوم السبت عاشره، فتقدم الجاليش المنصور، وهم ست أمراء مقدمين ألوف، وهم: الأتابكي